2026/04/29
الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي لـ "المستقبل أونلاين": موازنة 2026 مرحلة اختبار حقيقي، والنجاح مرهون بالانتقال من "الشعارات" إلى "الانضباط المالي"

حاوره / ماريا راشد 

يواجه الاقتصاد اليمني في عام 2026 منحنياً مصيرياً، حيث تتسابق الحكومة برئاسة الدكتور شائع الزنداني مع الزمن لضبط الإيرادات المتهالكة وإعادة الثقة للعملة الوطنية وسط تعقيدات سياسية وأمنية بالغة الحساسية.

 وفي ظل إقرار الموازنة العامة الجديدة وتصاعد حدة الأزمات النقدية، يبرز السؤال الأهم ... هل تملك الحكومة الأدوات التنفيذية لتحويل "الورق" إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في لقمة عيشه؟ 

وتظل موازنة 2026.... اختبار النوايا والشفافية لحكومة الدكتور شائع الزنداني .

لمناقشة هذه الملفات، يستضيف موقع " المستقبل أونلاين" الباحث والخبير الاقتصادي اليمني، وعضو المحور الاقتصادي في مشاورات الرياض، الدكتور وحيد الفودعي ، ليضع النقاط على الحروف في تشخيص الاختلالات الهيكلية وحلول الأزمة النقدية.

 

  • المستقبل أونلاين: كيف تقرأ الوضع الاقتصادي في ظل توجهات حكومة الدكتور شائع الزنداني وإقرار الموازنة العامة لعام 2026؟
  • أقرأه بوصفه مرحلة اختبار حقيقي بين النوايا والقدرة التنفيذية؛ فالحكومة أعلنت تبني أولويات تتصل بضبط الموارد، وترشيد الإنفاق، وتحسين الخدمات، ودعم الاستقرار المالي والنقدي؛ لكن الإشكال أن موازنة 2026 والتي أُعلنت بوصفها موازنة واقعية منسجمة مع محدودية الموارد، لم تقر بعد من مجلس النواب، وأعلنت من دون الإفصاح عن أرقامها وتفاصيلها بالقدر الذي تقتضيه الشفافية؛ لذلك يبقى التحدي الحقيقي ليس في إعداد الموازنة ذاتها، بل في اقرارها في ظل واقع سياسي وأمني معقد، ثم تحويلها من وثيقة تقديرية إلى أداة فعلية للانضباط المالي والإداري.

 

* المستقبل أونلاين: هل ستنجح الحكومة في ضبط الإيرادات؟ وإذا نجحت، كيف سينعكس ذلك على الوضع الاقتصادي؟

  • النجاح ممكن جزئيًا لا كليًا؛ فإذا تمكنت الحكومة من تحسين التحصيل، وتقليص التسرب، وتوريد الموارد إلى القنوات الرسمية، فإن ذلك سينعكس في ثلاث دوائر مباشرة وهي انتظام نسبي للمرتبات، وتقليص العجز بما يخفف الضغط على التمويل التضخمي غير المنضبط، وتحسن محدود في الثقة العامة بالسوق والدولة؛ لكن هذا النجاح سيظل مقيدًا بضعف القاعدة الإيرادية نفسها، وبالبيئة السياسية والأمنية المحيطة، وهي حتى الآن لا تبدو مشجعة بما يكفي، خصوصًا مع جمود المشهد السياسي بعد أحداث المحافظات الشرقية؛ وتأخر عودة فخامة رئيس مجلس القيادة إلى عدن حتى اليوم.

 

*المستقبل أونلاين: ما أبرز التحديات التي تواجه الحكومة في مسألة ضبط الإيرادات؟

  • أبرز التحديات، في تقديري، هي تآكل الوعاء الإيرادي أصلًا، وتعدد منافذ التحصيل خارج الكفاءة المؤسسية المطلوبة، وضعف الرقابة، وعدم انتظام التوريد إلى البنك المركزي، فضلًا عن تداخل الاعتبارات السياسية مع الإدارة المالية؛ ولذلك فالمشكلة ليست فنية فقط، بل هيكلية ومؤسسية؛ وأي حديث عن ضبط الإيرادات من دون إصلاح أدوات التحصيل والرقابة والتوريد سيظل محدود الأثر.

 

 -أزمة السيولة والعملة: اختلال إداري أم ندرة حقيقية ؟ 

 

* المستقبل أونلاين: بخصوص فائض النقد الأجنبي وشحة السيولة النقدية للعملة الوطنية، ما الأسباب وما المعالجات؟*

  • أولًا، أنا لا أميل إلى وصف الحالة في اليمن بأنها فائض حقيقي في النقد الأجنبي؛ لأن هذا التوصيف، بالمعنى الاقتصادي الدقيق، يفترض وجود وضع خارجي مريح أو اختلال موجب في ميزان المدفوعات، بينما الواقع اليمني أقرب إلى اقتصاد يعاني اختلالًا خارجيًا وهيكليًا مزمنًا. 

وما يبدو في السوق أحيانًا بوصفه وفرة نسبية في النقد الأجنبي ليس سوى حالة جزئية أو مؤقتة أو مشوهة، لا تعبّر عن فائض اقتصادي حقيقي، بقدر ما تعكس اختلال العلاقة بين سوق الصرف وسوق السيولة المحلية.

أما شح السيولة بالريال اليمني، فهو في تقديري نتيجة اختلال مركب، لا سبب منفرد؛ إذ اتسع الطلب الاسمي على النقد بفعل ارتفاع الأسعار والناتج المحلي الإجمالي الاسمي، في مقابل جمود شبه كامل في النقد المتداول منذ 2022، فضلًا عن تآكل جزء من الكتلة النقدية بفعل التلف وعدم الإحلال، بما خفّض السيولة الفعلية المتاحة للتداول؛ ويضاف إلى ذلك ضعف إدارة البنك المركزي للسياسة النقدية بما في ذلك ضعف كفاءة إدارة وتوزيع النقد، وتآكل الثقة بالجهاز المصرفي، وتجزؤ الدورة النقدية، ومحدودية قدرة القنوات الرسمية على امتصاص النقد الأجنبي وإعادة ضخه في دورة منظمة.

أما ما يقوم به بعض الفاعلين من الضغط على سعر الصرف أو الامتناع عن المصارفة إلا بأسعار أدنى من السعر الرسمي أو شبه الرسمي، فلا أراه سببًا أصيلًا للأزمة، بل سلوكًا انتهازيًا يتغذى على الاختلال القائم ويعمل على مضاعفة آثاره؛ بمعنى أدق هو عامل ثانوي مستفيد من الأزمة، لا العامل المنشئ لها.

أما المعالجة، فلا تكون بإجراء منفرد، بل عبر حزمة متكاملة تبدأ بــ تحسين إدارة الكتلة النقدية بالريال، ومعالجة فجوة النقد التالف، ورفع كفاءة توزيع السيولة، وتفعيل القنوات المصرفية الرسمية، والتوسع في أدوات الدفع الرقمي المحلي بما في ذلك التسريع بتفعيل نظام المدفوعات الوطني الموحد لتخفيف الضغط على النقد الورقي، وربط إدارة السيولة بحركة السوق الفعلية لا بالافتراضات النظرية؛ فجوهر المشكلة هنا ليس نقص النقد في صورته المجردة فقط، بل اختلال إدارته وتوزيعه والثقة به.

* المستقبل أونلاين: هل سينجح البنك المركزي في معالجة هذا التحدي؟

  • لا أعتقد ذلك، كون ضعف إدارته ومراقبته للسيولة أحد أسباب الأزمة، فالبنك المركزي يمكنه التخفيف من حدة الأزمة، لكنه لن ينجح وحده في إنهائها بالكامل ما لم يترافق ذلك مع إصلاح مالي ونقدي ومؤسسي أوسع؛ فنجاحه مشروط بوجود غطاء حكومي منضبط، وتحسن في الإيرادات، ورفع مستوى الثقة في القطاع المصرفي، واتساق أدوات السياسة النقدية مع الواقع الفعلي للسوق.

 

- الجغرافيا السياسية وتوقعات 2026: 

 

* المستقبل أونلاين: المشهد السياسي في المنطقة والحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، ما انعكاساته الاقتصادية على اليمن؟ وهل يمكن أن تتحول الحرب إلى فرص لليمن وموانئها وخاصة ميناء عدن؟*

 -الانعكاسات على اليمن أقرب إلى المخاطر منها إلى الفرص في المدى القصير؛ لأن أي تصعيد إقليمي يرفع كلفة النقل والتأمين، ويؤثر على سلاسل الإمداد، ويزيد اضطراب الممرات البحرية، خصوصًا في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن؛ نعم، نظريًا قد تنشأ فرص لميناء عدن إذا أعادت بعض خطوط التجارة تموضعها، لكن ذلك مشروط بالأمن، والجاهزية التشغيلية، والثقة الدولية؛ لذلك فالفرصة موجودة من حيث المبدأ، لكنها ليست فرصة مضمونة.

 

* المستقبل أونلاين: توقعاتك للمشهد الاقتصادي خلال عام 2026؟ وهل ستنجح الحكومة في معالجة المرتبات والخدمات العامة؟

  • أتوقع أن يبقى عام 2026 عام احتواء للأزمة لا عام تعافٍ كامل؛ فإذا نجحت الحكومة في تحقيق قدر معقول من الانضباط في الموارد والإنفاق، فقد نشهد تحسنًا نسبيًا في المرتبات وبعض الخدمات، لكن ليس بالدرجة التي تنقل الاقتصاد من الهشاشة إلى الاستقرار؛ والتحسن المرجح هو تحسن إداري أكثر منه تحولًا اقتصاديًا شاملًا، لأن الفجوة بين الاحتياجات العامة والموارد المتاحة ما تزال كبيرة، خصوصًا مع توقف تصدير النفط بسبب الهجمات الحوثية على حقول إنتاجه وموانئ تصديره.

 

* المستقبل أونلاين: كلمة أخيرة عبر موقع المستقبل أونلاين؟

  • رسالتي الأخيرة أن اليمن لم يعد يحتمل إدارة اقتصاده بردود الأفعال أو بالشعارات؛ فإما أن تنتقل الدولة إلى منطق الانضباط المالي، وبناء المؤسسات، ومكافحة الفساد، وتبني الشفافية والحوكمة، واستعادة الثقة، وإما أن تبقى الأزمات تعيد إنتاج نفسها بصورة أشد قسوة؛ وفي النهاية، لا يُقاس نجاح أي حكومة بما تعلنه، بل بما يلمسه المواطن في راتبه، وخدماته، واستقرار الأسعار.

 

في ختام لقائنا مع الخبير الاقتصادي  وحيد الفودعي، يتبين أن عام 2026 هو "عام المكاشفة" بامتياز. 

فالأرقام والسياسات ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وجودية لاستعادة الدولة قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.

 يبقى الأمل معلقاً على قدرة المؤسسات النقدية والمالية في تجاوز مربع "إدارة الأزمات" نحو "التخطيط الهيكلي"، لتجنب انزلاق اقتصادي قد يكون الأصعب منذ سنوات.

 

(السيرة الذاتية للباحث الاقتصادي وحيد الفودعي ) 

 - وحيد عبد الكريم سفيان الفودعي:

 -باحث وخبير اقتصادي يمني (مواليد 1983، تعز).

 - عضو المحور الاقتصادي في مشاورات الرياض.

 - عضو هيئة التدريس المساعدة  في كلية التجارة والاقتصاد.

 - مستشار سابق للحكومة اليمنية والبنك المركزي والقطاع المصرفي.

 ويتمتع بخبرة متقدمة في مجالات السياسة النقدية، والحوكمة المصرفية، والامتثال لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وعمل سابقًا مدقق حسابات لدى شركة تايتن للاستشارات الدولية.

وله إسهامات بحثية وإعلامية متعددة، تمثلت في نشر دراسات وأبحاث وتقارير ومقالات تحليلية، إلى جانب حضوره المستمر في وسائل الإعلام عبر التصريحات والاستضافات المتخصصة، بما أسهم في إثراء النقاش العام وتوعية الرأي العام وصنّاع القرار بقضايا الاقتصاد اليمني. كما انخرط في عدد من المبادرات المعنية بمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية.

تم طباعة هذه الخبر من موقع المستقبل أونلاين www.yen-news.com - رابط الخبر: http://almostakbalonline.com/news11502.html