وخسر الخانعون كل شيء

ألا يــــا أهل الحــدا يا أهل آنس عَشَاكُم البِــــــلاد المُـــفســـدات

وإلى حـاشـد بكيل أولاد خولان عَشـــاكم بـالقــــرات المُفسدات      

كان ذلك النداء، فكانت الاستجابة، المُنادي هنا ليس قاطع طريق، أو زَعيم عِصابة، إنَّه إمام اليمن، الناصر لدين الله، الطاغية أحمد يحيى حميد الدين، الفقيه الأديب، الذي قَسَّم رعاياه إلى أنصار ومُفسدين، ومَضى بِروحه العدائية مُنميًا للشر، مُهلكًا للخير، مُعمقًا جِراحات اليمنيين.    

  ثمة نداءات مُشابهة رددها ذات الطاغية وغيره من الأئمة السلاليين، أراد وأرادوا من خلالها استنهاض همم القبائل الشمالية للتوجه جنوبًا، وغربًا، وشرقًا، حيثُ البلاد المُفسدات! وذلك بعد أنْ جعلوا من الفيد دين، ومن أنصارهم مُجاهدين، ومن مُخالفيهم بُغاة ومُفسدين، فانتشى على وقع فتاويهم العُنصرية الصراع، وانحسرت المودة، وارتسمت على الخارطة الخانعة فُصولًا من الكوميديا السوداء.    

لم يكن تمدد الإماميين الجدد (الحوثيين) مَحض صُدفة أو ارتجال؛ فثمة ارتباط وثيق بين هؤلاء وماضيهم، تمامـًا كـ (بني إسرائيل)، استفادوا منه، وأعادوا تدويره، وحين انهارت الدولة من الداخل؛ حلوا محلها، ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية قَاهرة خَدمتهم، وبقراءة فاحصة لعوامل تمددهم، نجد أنَّهم اعتمدوا في الأساس على الدين المزيف، والأنصار المخدوعين، وبتوصيف أدق على الزنابيل العابرين للعصور.    

اتبع الحوثيون سياسة فَرق تسد، تَمامًا كأسلافهم، ضَربوا القبائل الشمالية بعضها ببعض، ثم وجهوها - بعد أنْ استتب لهم أمرها - جنوبًا، وغربًا، جَاعلين من النَكفات القبلية عِنوان عَريض للتحشيد الصادم، تابعت - قبل بضعة سنوات - جُزءًا من تلك الفعاليات عبر قناتهم (المسيرة)، وقد شَدَّ انتباهي نقل القناة لتفاصيل وصول مَجاميع قبلية إلى إحدى مُديريات محافظة تعز، وبعد عبارات الترحيب والثناء تحدث كبيرهم عن يمنهم الكبير، وأنَّهم سيُحررونه من الغُزاة، وخاطب مُستقبليه من مُتحوثي تلك المنطقة بقوله: «أنتم عيوننا التي نبصر بها..»، ليقف أحدهم في زاوية أخرى قائلاً: «ها نحن في عُقر ديار المنافقين، وسنتقدم قُدام قُدام إلى إسرائيل»!      

كنت أعتقد أن مُفردة (مُنافقين) توصيف إمامي - حَوثي مُستجد، لأكتشف أثناء مُطالعتي لإحدى فتاوى الإمام الطاغية المتوكل إسماعيل بن القاسم (توفي عام 1087هـ / 1676م) أنَّها امتداد لما ذكرت، جاء فيها - أي تلك الفتوى - أنَّ الجهاد يمتد إلى قِتال المنافقين، وهم حد وصف ذات الإمام «من لا يمتثلون لأحكام الشرع إلا كَرهًا وخَوفًا من صولة الإمام بجنده أو بعض جنده».       

على مدى قُرون واليمنيون المُسالمون يتلظون بجحيم تلك الفتاوى المُؤدلجة، عَاشوا تفاصيل حياتهم في ترقب حذر، وذُعر دائم، كثيرون منهم تحملوا الإمامة وأنصارها، إخوانهم في الدين الأرض، وصبروا على أذاهم، وقلة فقط تمردوا على ذلك الوضع البائس، وانتصروا للكرامة والعرض، وفي المُحصلة المأساوية أذل الإماميون الجميع، وكسب الثائرون أنفسهم، وخسر الخانعون كل شيء.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص