من أي طينة جُبّ هؤلاء القتلة..؟ وكيف ليدٍ تحمل الموت أن تجرؤ على اغتيال رجلٍ كان يقضي نهاره يغزل من ركام الحرب خيوطاً للبناء..؟ بالأمس، وفي منطقة الحسوة بعدن، لم تكن الرصاصات التي اخترقت جسد المهندس وسام صادق العريقي مجرد مقذوفات غادرة، بل كانت إعلاناً صريحاً عن حربٍ شعواء تُشن ضد كل جميل، وكل نزيه، وكل من اختار البقاء لخدمة هذا التراب الجريح.
يا قتلة الأحلام.. من اغتلتم؟ أنتم لم تغتالوا مجرد عابر سبيل، أو موظفاً في زحام المكاتب. اغتلتم عقلًا هندسياً فذًا، وقلبًا كان ينبض بحب تعز وعدن وكل قرية يمنية وصل إليها خير "الصندوق الاجتماعي للتنمية".
اغتلتم الأمل الذي كان يحمله وسام وهو يخطط لمشروع مياه، أو رصف طريق، أو ترميم مدرسة. هل ارتوت غريزة الموت فيكم حين رأيتم أحلام آلاف الأسر تتبعثر مع دماء هذا الإنسان الذي لم يعرف سوى لغة العمل والبناء؟ إلى الصامتين في كراسي المسؤولية: أما آن للوجع أن يوقظكم؟ إن دماء وسام صادق العريقي التي خضبت تراب عدن هي صرخة مدوية في وجه كل مسؤول أمني، وكل صانع قرار.
إلى متى يظل "كاتم الصوت" والدراجة النارية هما الحاكمان الفعليان على أرواح الكوادر والوطنيين؟ إن تقييد الجريمة ضد "مجهول" هو جريمة ثانية تضاهي الاغتيال في بشاعتها. العدالة للمهندس وسام ليست مطلباً حقوقياً فحسب، بل هي اختبار أخير لما تبقى من هيبة الدولة،إن لم تتحرك الأجهزة الأمنية والقضائية اليوم للضرب بيد من حديد، فإنكم تمنحون القتلة ترخيصاً مفتوحاً لاستباحة كل رأسٍ يفكر، وكل يدٍ تبني.
رحل وسام.. وبقيت القضية لقد ارتقى وسام العريقي شهيداً للواجب والنزاهة، تاركاً خلفه إرثاً لا تمحوه الرصاصات، رحل الرجل الذي واجه صخب الرصاص بهدوء التخطيط، وضجيج الصراعات بعمق التنمية، لكن عزاءنا أن الأفكار لا تموت، وأن المشاريع التي وضع لبناتها ستظل شاهدة على طهر يده ونقاء سريرته.
يا أحرار هذا الوطن، ويا رفاق الدرب في ميادين الصحافة والبحث والتنمية: لا تجعلوا دم وسام يذهب هدراً في ذاكرة النسيان، اجعلوا من سيرته وقوداً لمقاومة القبح، ومن دمه عهداً على ألا نسكت حتى ينال القتلة جزاءهم العادل، نم قرير العين يا وسام.. فقد أديت الأمانة، وصدقت في العهد، وسيبقى اسمك محفوراً في جبين الوطن كرمز للنزاهة التي لا تنحني، وللعطاء الذي لا ينكسر.