انتهاكات خلف القضبان... ماذا يحدث في معتقلات الحوثي؟

خمس سنوات قضاها الصحفي محمد الصلاحي في معتقلات الحوثي تكشف فظاعة انتهاكاتهم بحق المعتقلين؛ إذ قال الصلاحي في شهادته لمنظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) إنه تعرض لتعذيب نفسي وجسدي ولفظي، شمل الضربَ بالكابلات، والصفعَ، والخنقَ، والتعليقَ لفترات طويلة، والحرمانَ من النوم، والمنعَ من استخدام دورة المياه، ووضعَ السلاح على رأسه وعنقه، والتهديدَ بإعدام زملائه الصحفيين. وقال إن التعذيب تسبب في آثار صحية ما زال يعاني منها حتى اليوم.

 

هكذا انتهجت المليشيا سياسة القمع والتعذيب لتكميم الأصوات المجتمعية وفرض سياساتها، فمنذ سيطرتها على مؤسسات الدولة في صنعاء، سعت إلى إنشاء منظومة معتقلات واسعة في مناطق سيطرتها، طالت سياسيين وصحفيين وناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان، ومواطنين اعتقلوا على خلفية مواقفهم المختلفة، مع توثيق حالات اعتقال تعسفي وإخفاء قسري وتعذيب وسوء معاملة.

 

وامتدت جرائم الاعتقال لتشمل العاملين في المجال الإنساني أيضاً، ووثقت منظمة العفو الدولية (Amnesty International) شروع الحوثيين في مايو 2024 بحملة اعتقالات طالت موظفين تابعين للأمم المتحدة ومنظمات مدنية دولية ويمنية، وقالت إن الجماعة اعتقلت في بداية الحملة 13 موظفاً أممياً وما لا يقل عن 50 موظفاً في منظمات المجتمع المدني اليمنية والدولية، قبل أن تتوسع دائرة اعتقالاتها لاحقاً. وبحلول يونيو 2026، أشارت الأمم المتحدة إلى أن 73 شخصاً من موظفيها لا يزالون محتجزين لدى الجماعة، وتوفي أحدهم أثناء الاحتجاز، وقال الأمين العام للمنظمة إن هذه الممارسات تُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي، وتعرقل قدرة الأمم المتحدة وشركائها على تقديم المساعدات لملايين اليمنيين المحتاجين.

 

لكن الأرقام، على أهميتها، لا تكشف وحدها طبيعة المنظومة التي تقف خلفها المليشيا، فمعتقلات الحوثي ليست كلها مرافق معلنة يمكن الوصول إليها أو معرفة من يقبع بداخلها، إذ تحدثت تقارير حقوقية وأممية عن شبكة تضم سجوناً رسمية للمليشيا، وأخرى سرية.

ولعل أبرز المواقع التي وثقها تقرير فريق تابع للأمم المتحدة نشر في سبتمبر 2020 برقم A/HRC/45/CRP.7، محتجز مدينة الصالح في منطقة الحوبان بمحافظة تعز، إذ جرى تخصيص نحو 20 مبنى داخل مجمع الاحتجاز، وقُسّم إلى عدة أقسام، بينها الأمن القومي والسياسي والعسكري والرقابي، ويصف التقرير المحتجز بأنه أحد أكبر مواقع الاحتجاز التابعة للجماعة، ويُعتقل بداخله نشطاءُ سياسيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومعارضون وغيرهم.

 

كانت مدينة الصالح جزءاً من شبكة معتقلات تنقل المليشيا خلالها الأسرى والمختطفين والمخفيين قسراً من مرفق لآخر، في استراتيجية تجعل تتبع مصير المعتقل أكثر صعوبة، وتمنح القائمين على المعتقلات مساحة أكبر لإبقائه بعيداً عن الرقابة، وذكرت الأمم المتحدة أن كلية المجتمع في ذمار كانت تستخدم مركزَ احتجاز سري لم تكن المليشيا تقر بوجوده، إلا أنها نقلت إليه معتقلين من مرافق أخرى، خصوصاً مدينة الصالح، وعنه أكدت منظمة مواطنة لحقوق الإنسان في تقرير نشر في 2020 أنها تحققت من 36 واقعة احتجاز تعسفي وواقعتي تعذيب وواقعة وفاة داخل المعتقل خلال فترة التقرير، ووصف محتجزون سابقون ظروف الاحتجاز هناك بأنها شديدة السوء، ولا توافق أدنى متطلبات الصحة الأساسية، إذ تنعدم التهوية الجيدة، وتكثر فيها الحشرات المؤذية، وتنتشر فيها أمراض بينها السل والجرب.

وفي صنعاء، وثقت هيومن رايتس ووتش عدداً من مراكز الاحتجاز المرتبطة بأجهزة الأمن التابعة للحوثيين، بينها مقرَّا الأمن القومي والأمن السياسي، ومواقع أخرى غير رسمية، عددها غير معروف، وهو الأمر الذي يعكس صعوبة الحصول على صورة كاملة عن شبكة المعتقلات الحوثية.

 

تجرّأت المليشيا على اتباع أساليب تعذيب وحشية في معتقلاتها، وهو ما يصف طبيعتها الإجرامية ونهجها القمعي وانتهاكها الصارخ لمعايير حقوق الإنسان الدولية، ووثق تقرير الأمم المتحدة في معتقل مدينة الصالح حالات تعرض فيها المعتقلون للضرب المبرح والصعق الكهربائي في أجزاء حساسة من الجسم، إلى جانب وضعيات الإجهاد، ونزع الأظافر، والتعليق من الجدران، والحبس الانفرادي والحرمان من الرعاية الطبية، وحالات تضمنت عنفاً جنسياً.

لم تشبع هذه الممارسات شهيتها الإجرامية، إذ تبنّت الجماعة مساراً انتهازياً يتجاوز المعتقل إلى أسرته، فسعت إلى ابتزاز أسر المعتقلين مالياً مقابل وعود وهمية بالإفراج، وهو ما وثقته هيومن رايتس ووتش في حالات قال فيها أقارب للمعتقلين إنهم دفعوا أموالاً لوسطاء حوثيين سعياً لمعرفة مصير ذويهم، أو الحصول على وعود بالإفراج عنهم، ومع ذلك، لم يصبح المال طريقاً للحرية إلا في حالات قليلة للغاية.

 

ونتطرّق هنا إلى ملف الإخفاء القسري كونه الوجه الأكثر قسوة في هذه المنظومة؛ إذ لا يُحرَم المعتقل من حريته فقط، بل تُحرَم أسرته من حق معرفة مصيره أيضاً، وللحصول على أبسط معلومة عنه تتجرع معاناة البحث والتتبع لسنوات، وقد وثقت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن في تقريرها عام 2025 حالات احتجاز تعسفي ظل أصحابها في عداد المخفيين قسراً، وبعضهم بقي مصيره مجهولاً لسنوات، وذكرت أن عشرات الصحفيين اعتقلوا في إب والحديدة خلال 2025 وظلوا مخفيين وبمعزل عن العالم الخارجي ومصيرهم مجهول. كما قالت الأمم المتحدة إن أماكن وجود موظفيها المحتجزين لدى الحوثيين ظلت مجهولة، إذ لم يُسمح للمنظمة بالوصول إليهم رغم الطلبات المتكررة.

 

وضمن ممارساتها الحديثة، سعت المليشيا إلى إضفاء طابع قضائي شكلي على بعض المعتقلين بعد سنوات من الاحتجاز والتعذيب. ففي أغسطس 2026 قالت هيومن رايتس ووتش إن سلطات الحوثيين أحالت ستة محتجزين على الأقل إلى النيابة الجزائية المتخصصة، بينهم موظف في الأمم المتحدة ومستشار للمنظمة وثلاثة عاملين في منظمات دولية ومحلية، وأكدت المنظمة أن بعض المحتجزين تعرضوا للحبس الانفرادي والتعذيب والضغط النفسي قبل الخضوع للمحاكمة.

 

وهنا يقودنا الحديث عن الأطر القانونية التي اخترقتها الجماعة، إذ إن الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب تُعدّ جرائم تنتهك الحق الإنساني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، خصوصاً أن بلادنا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (CCPR) الذي وقعت عليه عام 1987، والذي يحمي الحق في الحرية والأمان ويحظر الاعتقال التعسفي ويكفل ضمانات المحاكمة العادلة، وكذا اتفاقية (CAT) ضد التعذيب والعقوبات القاسية واللاإنسانية أو المهينة والموقّعة عام 1991.

وفي سياق النزاعات المسلحة غير الدولية، تحظر المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف المعاملة القاسية والمهينة، كما تحظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون محاكمة عادلة تتوفر فيها الضمانات القضائية الأساسية.

إن استمرار انتهاكات مليشيا الحوثي بحق الأسرى والمختطفين والمخفيين قسراً، في ظل غياب المحاسبة الدولية يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات، ويضع المجتمع الدولي والحكومة الشرعية أمام مسؤولية كبرى؛ تتطلب البتّ في تحرّك جاد يعيد هذا الملف إلى الواجهة، وتستوجب تكثيف جهود حماية المعتقلين، والكشف عن مصير المخفيين قسراً، وإنهاء الاعتقال التعسفي، ومحاسبة المتورطين؛ بما يضع حدّاً لسياسة الإفلات من العقاب