محاضرات الحوثي الرمضانية.. الولاء للزعيم محل الولاء لله

جامع الصالح

واصلت ميليشيا الحوثي الإرهابية سلسلة انتهاكاتها الجسيمة بحق الشعائر الإسلامية في اليمن، مستهدفةً حرية العبادة في شهر رمضان المبارك، وذلك عبر قرارات تعسفية وممارسات قمعية كشفت عن حقيقتها الطائفية البغيضة. 

ففي العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرتها، أصدرت الميليشيا توجيهات مشفهة عبر مشرفيها تقضي بمنع الاعتكاف في المساجد خلال العشر الأواخر من رمضان، محظرةً المبيت أو إقامة حلقات الذكر والتعبد الجماعي، في تجاهر صارخ للتقاليد الدينية الراسخة لدى اليمنيين، وبررت الميليشيا قرارها بدوافع أمنية واهية، فيما يؤكد مراقبون أن الخطوة تأتي في سياق سياسة منهجية لتقييد الحريات الدينية ومحاولة تفريغ العبادة من محتواها لصالح الولاء الحزبي.

ولم تقتصر الانتهاكات على المنع والإقصاء، بل امتدت لتشمل الاعتقال والتنكيل، حيث نفذت الميليشيا حملة مداهمات في محافظة إب، طالت عدداً من أئمة المساجد والمصلين في مديرية حبيش، وتم اعتقال أربعة من طلاب العلم بتهمة إقامة صلاة التراويح، وهم "عكاشة عبدالله، وجمال العرومي، ويوسف الفايق، وهيثم الجيبلي"، وجميعهم ممن يشدون الرحال لتعليم الناس القرآن والصلاة، وتعد هذه الحملات امتداداً لنهج إجرامي انطلق منذ انقلاب الميليشيا عام 2015م، ويستهدف تصفية العلماء والدعاة وتغيير المفاهيم الدينية للمجتمع اليمني.

وفي سابقة تكشف مدى التطرف في فرض التبعية، اعتقلت الميليشيا أمس حلاقاً من محله، لا لذنب ارتكبه، سوى أنه آثر مشاهدة مسلسل تلفزيوني بدلاً من الاستماع لمحاضرات زعيم الميليشيا الإرهابي عبدالملك الحوثي، التي تفرض الميليشيا على الناس متابعتها قسراً، معتبرةً أن الانصراف عنها "جريمة" تستوجب العقاب، في مشهد ينم عن حجم الاستبداد الفكري والعقائدي الذي تمارسه الجماعة.

الولاء للزعيم محل الولاء لله
يرى علماء الدين والمختصون أن هذا المنع ليس مجرد قرار أمني، بل هو تجلي للعصبية الطائفية الحاقدة التي تحرك هذه الميليشيا، فالاعتكاف وصلاة التراويح شعائر تعزز صلة المسلم بربه وتجمع الناس على كتاب الله، وهذا يتنافى كلياً مع مشروع الميليشيا الذي يسعى لقطع هذه الصلة ليحل "الولاء للزعيم" محل "الولاء لله"، وهم يدركون أن تجمع المصلين في المساجد ينعش الروح الإيمانية ويوقظ الوعي الجمعي، وهو ما يخشاه الانقلابيون الذين يفضلون الناس في حالة من الجهل والغفلة لضمان استمرار سيطرتهم، فالعبادة الحقة تمنح المؤمن عزة ومنعة تتعارض مع الذل والخضوع الذي تريده الميليشيا لأبناء اليمن.

لا يريدون مسلمًا يقرأ القرآن
يؤكد المختصون في الشؤون الفكرية أن إجبار الناس على متابعة محاضرات الزعيم هو عملية "غسيل دماغ" منظم تهدف إلى إحلال عقيدة الولاية المطلقة للحوثي محل العقيدة الإسلامية الصافية، فهم لا يريدون مسلماً يقرأ القرآن ويفهمه، بل يريدون تابعاً يردد الشعارات ويتلقى الأوامر دون تفكير، واعتقال الحلاق لمجرد عدم مشاهدة المحاضرة دليل قاطع على أن هذه الجماعة لا تتعامل مع الناس كمواطنين لهم حرية الرأي، بل كأدوات صماء يجب أن تتحرك وفق البوصلة الحزبية الضيقة، وهو ممارسة وثنية حديثة تعبد الناس لغير الله من خلال تقديس شخص الزعيم وجعل كلامه بديلاً عن الذكر والتلاوة في شهر القرآن.

يخلص المحللون والمختصون إلى أن ما تقوم به الميليشيا هو استنساخ دقيق للنموذج الإيراني في قمع الحريات الدينية والاجتماعية، فإيران على مدى عقود مارست تضييقاً مماثلاً على السنة والجماعات الإسلامية الأخرى، ومنعت الشعائر التي لا تخدم مشروعها التوسعي، والميليشيا الحوثية ليست سوى ذراع طويلة لهذا المشروع الصفوي في المنطقة العربية، وهي تنفذ بكل أمانة النهج الإيراني القائم على "تشييع" المجتمع بالقوة، وتغيير هويته الوطنية والإسلامية، عبر تفريغ المساجد من أهلها، وتغذية الأحقاد الطائفية، وفرض ثقافة الولاء للمرجعية في قم وطهران بدلاً من الولاء للوطن والدين الحنيف.