استهداف ميناء المخا: ... أداة لتهديد الملاحة الدولية لصالح إيران وإحكام الحصار على تعز

د/ عبدالله أحمد تتجاوز الاعتداءات الأخيرة التي شنّتها جماعة الحوثي على ميناء المخا حدود المواجهة العسكرية التقليدية، ليندرج ضمن استراتيجية تصعيدية خطيرة تحرّكها أجندة إيرانية، تهدف إلى بسط النفوذ على الممرات الملاحية الدولية في البحر الأحمر، وخنق المناطق المحررة في اليمن، ويمكن قراءة هذا الاستهداف عبر أربعة أبعاد رئيسة: البعد الأول/ نقل الصراع إلى البحر الأحمر وتعزيز أوراق إيران التفاوضية، حيث تسعى جماعة الحوثي عبر هذا التصعيد إلى نقل ثقل المواجهة إلى حوض البحر الأحمر، بما يعزز موقف طهران التفاوضي أمام واشنطن من خلال التحكم بممرات التجارة الدولية وسلاسل إمداد الطاقة، وبذلك يستكمل النظام الإيراني إحكام قبضته على أبرز المداخل المائية للشرق الأوسط من مضيق هرمز في الخليج العربي، حيث يمارس نفوذه المباشر، إلى مضيق باب المندب في البحر الأحمر، حيث يُوظِّف جماعة الحوثي ذراعًا له. والبعد الثاني/ فهو فرض واقع عسكري على مضيق باب المندب لصالح إيران، ويكتسب استهداف ميناء المخا دلالة خاصة بحكم قربه الجغرافي المباشر من مضيق باب المندب، إذ يتجاوز كونه ضربة لمرفق حيوي ليصبح رسالة تهديد صريحة لحركة الملاحة العالمية، وخطوة تمهيدية لفرض أمر واقع عسكري على هذا الممر الدولي لصالح إيران، تمهيدًا لاحتمال إغلاقه أو استخدامه كورقة مقايضة مستقبلًا، وقد تفرض جماعة الحوثي رسوم عبور عليه لتمول حروبها القادمة. اما البعد الثالث/ فيتمثل ببحث جماعة الحوثي عن غطاء سياسي وحماية ضمن أي تسوية إقليمية مرتقبة.. تأمل الجماعة أن يفضي هذا التصعيد إلى إدراجها ضمن أي تفاهم مقبل بين واشنطن وطهران، بما يمنحها حماية سياسية من العمليات العسكرية التي قد تشنها القوات الحكومية الشرعية المدعومة من التحالف العربي. وهذا النهج يعكس النمط الإيراني ذاته المعتمد في لبنان، حيث تشترط طهران تحصين "حزب الله" ووقف أي استهداف له كجزء أساسي من أي تفاهمات إقليمية. والبعد الرابع/ فهو خنق بوابة جنوب اليمن تعز وتكريس هيمنة ميناء الحديدة، فعلى المستوى المحلي، يستهدف الهجوم تعطيل المنافذ البحرية التي تُعدّ شريان الحياة لمحافظة تعز، من مساعدات إنسانية وإمدادات غذائية وطبية، ويأتي ذلك امتدادًا للحصار المفروض على المحافظة منذ أكثر من عقد، في محاولة لفرض ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين منفذًا احتكاريًا وحيدًا، بما يتيح للجماعة ممارسة الابتزاز الإنساني والاقتصادي ضد سكان المحافظة والمناطق المجاورة. وما لم يُواجَه هذا التصعيد بردع حازم ومباشر، فلن يتوقف بنك الأهداف الحوثي عند ميناء المخا، بل يُرجَّح أن تتسع دائرة الاعتداءات لتشمل موانئ عدن وحضرموت وشبوة والمهرة، واستمرار هذا المسار يُنذر بإجهاز كامل على ما تبقى من البنية التحتية للاقتصاد اليمني، ويُعرّض أمن الملاحة المحلية والدولية لمخاطر جسيمة لا يمكن التكهن بعواقبها.