يمثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، محور حيوي في نظام الامن الدولي، فهو شريان الملاحة الدولية والطاقة، الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس. فإن أي اضطراب في هذا الممر لا يقتصر ارتداداته على اليمن أو المنطقة، وإنما يتردد تأثيره على الأسواق العالمية وأسعار النفط وأمن الملاحة البحرية.
وفي هذا السياق، تبرز اليمن بالممر الجنوبي للبحر الأحمر كمركز ثقل استراتيجي، إذ أن استقرارها أو تفككها يحدد قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على ضبط التوازن في المنطقة.
على مدى العقد الأخير، أصبح اليمن مسرح لتقاطع مصالح متناقضة. من جهة، استغلت مليشيات الحوثي المدعومة من إيران هشاشة البنية الأمنية للسواحل اليمنية، محولة الموانئ والمضائق البحرية إلى أدوات للضغط الإقليمي وابتزاز الفاعلين الدوليين..
ومن جهة أخرى، تسعى الرؤية الاستراتيجية العربية بقيادة السعودية وبالتنسيق مع مصر إلى إعادة اليمن إلى محيطه العربي بقيادته الشرعية، عبر تعزيز السيادة الوطنية، وبناء قدرات مؤسسية تؤمن إدارة الموارد البحرية والاستفادة من موقع اليمن الاستراتيجي.
وفي الوقت ذاته، تتسارع وتيرة النفوذ الصيني في المنطقة. فالصين، بخلاف القوى العسكرية التقليدية، تقدم نموذج نفوذ اقتصادي-سياسي، يربط بين تطوير البنية التحتية للموانئ، وتعزيز الربط التجاري، وبناء القدرات التقنية المحلية، بما في ذلك المشاريع المحتملة في اليمن وعملياتها في جيبوتي، ومن خلال هذه السياسات، تحاول الصين تحويل البحر الأحمر إلى منطقة اقتصادية مستقرة، دون الانخراط المباشر في صراعات القوة التقليدية.
وهنا تظهر مصر بموقعها الجغرافي ومركزها السياسي والعسكري في المنطقة، فتمثل العمود الفقري للأمن في شمال البحر الأحمر، حيث تؤدي دور الضامن التاريخي لقناة السويس. ومعاً، تشكل السعودية ومصر واليمن امتداد جيوستراتيجي جنوباً وصولاً إلى جيبوتي، في إطار شبكة ردع مرنة تهدف إلى الحفاظ على التوازن الإقليمي، بعيداً عن المواجهة المباشرة. في هذا الإطار، تتجاوز اليمن كونها ساحة صراع، لتصبح مركز ثقل استراتيجي يؤثر على كافة تحولات الأمن في البحر الأحمر.
ان مفهوم مركز الثقل في النظرية الاستراتيجية "يشير إلى النقطة التي، إذا انهارت، يمكن أن يؤدي فقدان السيطرة عليها إلى شلل النظام ككل. فقد عرفه كلاوزفيتز بأنه محور القوة الحاسم"، فيما يحدده البنتاغون الأمريكي بأنه مصدر القدرة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وعند إسقاط هذا المفهوم على الواقع اليمني، يظهر أن مركز الثقل ليس جغرافياً بحتاً، وانما مركز ثقل معقد وديناميكي، ناتج عن تفاعل أربعة أبعاد مترابطة: "الموقع الجيوستراتيجي، والسيادة الساحلية، والبنية التحتية للموانئ، والسلطة السياسية الموحدة".
إن موقع اليمن عند التقاء البحر الأحمر، وباب المندب، وخليج عدن، يُضفي عليها أهمية عالية لا يمكن تجاهلها، إلا أن هذه الأهمية تتجسد فعلياً فقط عند امتلاك القدرة على إدارة السواحل والموانئ، وضبط الملاحة البحرية، وترسيخ سيادة الدولة، ومن ثم، يصبح مركز الثقل اليمني حقيقياً وفعالاً عندما تتمكن الدولة من توحيد القرار السيادي وتحويل الموقع الجغرافي من أداة ضعف إلى مركز استقرار إقليمي.
ومع ذلك، تظل السيادة في اليمن ضعيفة وتعاني من أزمة نزاع، بفعل الانقسامات السياسية، والاقتصاد الموازي المتنامي بفضل الحرب، وتعدد الكيانات المسلحة والجيوش المتعددة، ما يجعل من مركز الثقل اليمني مورد استراتيجي وأيضاً ساحة صراع.
يشكل البحر الأحمر بيئة أمنية متشابكة، حيث تتقاطع النزاعات المحلية والمنافسات الإقليمية والمصالح الاقتصادية العالمية، وتخلق تحولات وتحركات معقدة تعزز بعضها بعض. وفي هذا الإطار، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
تعزيز الحضور العربي عبر تحالف أمني بين اليمن وجيبوتي بالتنسيق مع المحور السعودي–المصري، لتشكيل تحالف ردع متكامل يحد من النفوذ الإيراني ويضبط التنافس الإقليمي الناشئ، بما في ذلك المصالح التركية والإسرائيلية.
استمرار الهشاشة الحالية، حيث يتحكم الحوثيون بالتهديدات البحرية كأداة استراتيجية مستمرة، محولين الممر العالمي وباب المندب الحيوي إلى ورقة ابتزاز سياسي مستمر.
التوازن الدولي المدروس، حيث قد يؤدي التعاون مع الصين في تطوير البنية التحتية والموانئ إلى استقرار بحري قائم على المصالح الاقتصادية والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية.
وتستخلص من هذه السيناريوهات أولويات واضحة لصناع القرار. فعلى القيادة اليمنية الشرعية أن تركز على استعادة الدولة البحرية عبر توحيد السيادة على الموانئ، وتطوير هياكل أمنية متكاملة براً وبحراً، وتحويل الشراكات الخارجية من اتفاقيات آنية إلى شراكات استراتيجية تخدم المصالح الوطنية وتمكن الاقتصاد المحلي.
كما تتحمل السعودية، بصفتها الحليف الإقليمي الأكبر والأكثر تأثراً بعدم الاستقرار اليمني، مسؤولية تحويل الدعم العسكري والسياسي إلى برامج تنموية مستدامة، بما في ذلك الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية وبرامج بناء القدرات المؤسسية اليمنية، فيما يمثل التنسيق مع مصر الركيزة الأساسية لتأسيس قوة عربية متكاملة قادرة على حماية المصالح البحرية المشتركة.
تحتل جيبوتي، رغم صغر حجمها الجغرافي، موقع استراتيجي مهم، وتعكس جهودها لإعادة هيكلة عقود الموانئ وتقليل الاعتماد على المشغلين الخارجيين إدراك عالي بأهمية النفوذ السيادي. كما يعد الاستثمار السعودي في البنية التحتية للموانئ أداة جيوسياسية لضبط تدفقات الملاحة العالمية كضامن لإستقرار اليمن والمنطقة، وإيجاد محور توازن بين الاستثمار الصيني، وإدارة التواجد العسكري اللوجستي الأمريكي.
ويمثل امتداد السواحل اليمنية من المخا إلى المهرة جوهر العمق الاستراتيجي العربي في جنوب البحر الأحمر. ويعكس الاهتمام السعودي بالمحافظات الشرقية استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل اليمن من منطقة نزاع إلى شريك فاعل في حماية الممرات البحرية.
ويتجاوز هذا النهج الاعتبارات العسكرية ليشمل إدارة الموانئ كأصل سيادي وأداة نفوذ اقتصادي وسياسي، فيما يسمح دمج الأمن البحري والبري ضمن مؤسسات الدولة بتفعيل رؤية يمنية شاملة.
أما الصين، فتسعى من خلال استثماراتها في جيبوتي والمشاريع المحتملة في اليمن إلى بناء نموذج من الاستقرار الاقتصادي البحري، يركز على تسهيل التجارة وبناء القدرات دون تدخل عسكري مباشر.
ويشكل التعاون العربي الصيني نموذج عملي يربط التنمية الاقتصادية بحماية الممرات البحرية، شريطة احترام السيادة اليمنية كإطار أساسي ثابت.
تاريخياً، شكلت الموانئ اليمنية أداة للتوازن بين القوة الاقتصادية والسياسية، إذ كان التحكم في الموانئ يعكس السيطرة على السيادة الوطنية ويمثل قاعدة للتفاوض الداخلي، فالموانئ ليست منشآت تجارية فحسب، وانما أعمدة للأمن القومي اليمني، وحيوية لحماية التجارة العالمية ومواجهة التهديدات البحرية.
في النهاية، لا يمكن تصور الأمن في البحر الأحمر دون اعتماد اليمن كشريك فاعل وكمركز ثقل استراتيجي، وتشكيل تحالف سعودي–يمني–مصري، مع إدارة دقيقة للعلاقات مع الصين، يمثل حجر الأساس لحماية باب المندب، وتأمين خطوط التجارة العالمية، واستعادة اليمن لدوره كدولة بحرية. كما أن تحقيق استقرار مستدام في البحر الأحمر يتطلب الاهتمام في سيادة اليمن السياسية، والمؤسسية، والاقتصادية لضمان إدارة الجغرافيا بدلاً من استغلالها.