كان أمرا صادما للغاية أن يتمكن برنامج بسيط ، يعرض فقط على مواقع التواصل الاجتماعي من التفوق على برامج وانتاجات تلفزيونية تنفذها قنوات وبميزانيات ضخمة.. الأمر الذي يضع تساؤلاً، كيف حصد برنامج “نجوم رمضان” الذي يقدمه المذيع سامي السامعي عبر صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي كل هذا النجاح والقبول ،والاجابة هنا ، فقط لأنه مذيع وليس ممثل ، فالمذيع الخبير لديه فهم عميق لأدوات الحوار الإعلامي، الحضور والكاريزما الاعلامية، الخبرة في صياغة الاسئلة ، وكذا التقاطها من حديث ضيفه، وهو سر إخفاق واضح في تجارب عدد من القنوات اليمنية في مثل هذه البرامج .
منذ اللحظة الأولى، بدا أن البرنامج يقوم على عنصر جوهري: وهي الخبرة، فـ سامي السامعي لم يكتفِ بدور مقدم تقليدي، بل تعامل مع كل حلقة كمساحة حوارية حقيقية، وصداقة واقعية مع ضيفه،يعرف متى يتدخل، ومتى يصمت، وكيف يقود الضيف إلى مناطق أكثر عمقًا. لم تكن الأسئلة محفوظة أو مكررة، بل كانت تنبض بالحيوية، تتشكل أثناء اللقاء، وتُبنى على إجابات الضيف نفسها، وهو ما منح الحلقات طابعًا تلقائيًا جذابًا، يشعر فيه المشاهد أنه أمام حوار حيّ لا نص جامد.
في المقابل، وقعت القنوات اليمنية في خطأ مهني واضح، حين راهنت على “الاسم” بدل “الأداة”. فاختارت ممثلين لتقديم برامج حوارية، ظنًا أن شهرتهم كفيلة بجذب الجمهور. لكن ما حدث كان العكس؛ إذ تحولت كثير من تلك البرامج إلى جلسات أقرب إلى “المقيال”، يغيب فيها البناء، وتضعف فيها السيطرة على مسار الحديث، وينعدم فيها عنصر المفاجأة أو العمق. الممثل، مهما كانت موهبته الفنية، لا يمتلك بالضرورة أدوات إدارة الحوار، ولا القدرة على صياغة الأسئلة أو قراءة الضيف، وهي مهارات تُكتسب عبر الممارسة الإعلامية الطويلة، لا عبر الحضور الجماهيري فقط.
نجاح “نجوم رمضان” كشف أيضًا عن تحول مهم في سلوك الجمهور. فالمشاهد اليوم لم يعد يبحث فقط عن “النجوم”، بل عن “المحتوى”. يريد أن يسمع قصصًا حقيقية، أن يكتشف تفاصيل جديدة، أن يرى ضيفه المفضل خارج الإطار التقليدي. وهذا ما فهمه البرنامج جيدًا، حين ركّز على كواليس المهنة، الأجور، الفرص، والتحديات، مقدّمًا محتوى صريحًا وجريئًا يلامس فضول الجمهور.
ومن زاوية أخرى، أثبت البرنامج أن السوشيال ميديا لم تعد مجرد منصة بديلة، بل أصبحت منافسًا حقيقيًا للتلفزيون. فبساطة الإنتاج لم تمنع من تحقيق انتشار واسع، لأن العنصر الحاسم لم يكن في الإبهار البصري، بل في جودة الحوار. بينما ظلت بعض القنوات أسيرة لفكرة أن النجاح يُشترى بالإمكانات، متجاهلة أن المضمون هو الأساس.
كما يمكن قراءة التجربة من زاوية أعمق تتعلق بغياب التخطيط الإعلامي داخل بعض المؤسسات. فإسناد برامج حوارية لممثلين لا يملكون الخبرة الكافية يعكس خللًا في فهم طبيعة العمل الإعلامي، ويشير إلى هيمنة منطق “الترند” السريع على حساب الجودة والاستمرارية. وهو خيار قد يحقق ضجة مؤقتة، لكنه لا يصنع برنامجًا قادرًا على البقاء أو المنافسة.
ولذلك أرى أن نجوم رمضان لم ينجح فقط، بل وضع درسًا مهنيًا واضحًا أن الإعلام ليس استعراضًا، بل مهارة. والحوار ليس حضورًا أمام الكاميرا، بل قدرة على إدارة العقول واللحظات. وبينما نجح سامي السامعي في تقديم نموذج يُحتذى به، ما زالت القنوات اليمنية بحاجة إلى مراجعة جادة، تعيد فيها الاعتبار لدور المذيع الحقيقي، وتفصل بين من يُجيد التمثيل ومن يُجيد إدارة الحوار.