لم تكن صناعة الأثاث في مصر مجرد حرفة يدوية توارثتها الأجيال في أزقة مدينة دمياط، بل تحولت في العقد الأخير إلى معركة إحلال استراتيجية قادتها الدولة لتحويل هذا القطاع من الاستهلاك وإغراق السوق بالمنتج المستورد إلى الريادة الصناعية وصولاً إلى المنافسة والتصدير.
فكيف استطاع صانع القرار المصري في ترويض مارد الاستيراد وتحويل الورش الصغيرة إلى منظومة اقتصادية عابرة للحدود؟
أولاً: سياسة الحماية المُمكِّنة وهندسة العناقيد الصناعية
بدأت الرحلة بمزيج من القرارات الجريئة، المرتبطة بالسياسات المالية والنقدية، حيث رفعت الحكومة نسبة الرسوم الجمركية على الأثاث المستورد لتصل إلى 60%، تزامناً مع تحرير سعر صرف الجنيه الذي رفع تكلفة المستورد قسرياً، مما منح المنتج المحلي مساحة آمنة للمنافسة سعرياً.
ولكن الحماية وحدها لا تصنع جودة، لذا انتقلت مصر إلى مفهوم العناقيد الصناعية، بدأتها بتدشين مدينة دمياط للأثاث، وهي أول مدينة متكاملة لصناعة الأثاث، وتوفر خدمات التأهيل والتدريب وتسويق المنتج المحلي عبر جهات عديدة حكومية وخاصة.
هذا المشروع لم يكن مجرد هناجر فقط، بل مثل بيئة حوكمة تشغيلية مكنت الصانع الصغير من الوصول لأحدث تكنولوجيا مكائن الـ(CNC) الإيطالية والألمانية، مما رفع مستوى الجودة والإنتاج والتشطيب النهائي لينافس الأثاث التركي والأوروبي في عقر داره.
وأصبحت المعطيات الاقتصادية لعام 2026م تشير إلى نتائج مذهلة تعكس حجم التحول في هذا القطاع، إذ تُقدر القيمة الإجمالية لسوق الأثاث في مصر بنحو 3.3 مليار دولار، بحسب الأرقام شبه الرسمية، والمثير للاهتمام من هذه الأرقام هو قلب الطاولة على المستورد، حيث يسيطر الإنتاج المحلي الآن على حصة الأسد بقيمة إنتاجية بلغت 2.6 مليار دولار (أي نحو 80% من إجمالي السوق)، بينما تراجع المستورد ليستقر عند 700 مليون دولار فقط، محصوراً في قطاعات تكنولوجية ومكتبية ضيقة.
وعلى صعيد التوسع الخارجي والتصدير، حققت الصادرات المصرية قفزة تاريخية في عام 2025 لتسجل 428 مليون دولار بنمو بلغ 23%، ومن المتوقع أن تكسر حاجز نصف مليار دولار بنهاية عام 2026، متجهة بقوة نحو الأسواق الخليجية، الأوروبية، والأمريكية.
ثانياً: المايسترو دور جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر:
خلف هذه الأرقام يقف جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، الذي أدار المنظومة بذكاء مؤسسي عبر ثلاثة محاور:
1_ التمويل الذكي: تقديم قروض بفوائد ميسرة (حوالي 5%) مكنت أكثر من 5000 منشأة من تحديث خطوط إنتاجها وشراء الخامات بأسعار الجملة.
2_ جسر التسويق: عبر تنظيم معارض كبرى في عدة محافظات ومدن مصرية، مثل معرض صنع في دمياط ومعرض تراثنا، مما أتاح للصانع البيع المباشر للمستهلك، ورفع صافي أرباح الورش بنسبة تتجاوز 15%.
3_ الحوكمة والتحول الرسمي: نقل آلاف الورش من السوق العشوائية إلى القطاع الرسمي المنظم، مما سهل تتبع الإنتاج وتطوير الجودة ومنح المنتج المصري شهادة ثقة دولية عززت فرص التصدير.
الخلاصة:
إن التجربة المصرية تثبت أن التحول الصناعي لا يحتاج لمعجزات، بل لإرادة سياسية وقرار، ويصبح هدف الجمع بين عراقة الحرفة اليدوية وتكنولوجيا المصانع الكبرى، مع توفير مظلة تمويلية وتسويقية، هو الطريق الوحيد لتحويل الورش المحلية من حالة رد الفعل إلى حالة الريادة الصناعية والمنافسة الخارجية ورفد خزائن البنوك بالعملة الصعبة.
وهنا نضع التساؤل أمام صانع القرار في مؤسساتنا الاقتصادية المحلية: متى نبدأ ليس في ابتكار نموذج خاص بنا، لأننا ندرك الواقع، لكن على الأقل في استنساخ هذا النموذج لتحويل مواردنا وعمالتنا الماهرة إلى أرقام في معادلة دعم وتنمية الصناعات المحلية؟
تجربة جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر تحتاج إلى قراءة بذاتها، سنجمعها في منشور قادم بالإضافة إلى مساهمة البنوك التجارية ودورها في صناعة التحول الاقتصادي المصري.
هشام السامعي
نجار وصانع اثاث محلي
باحث في الحوكمة واقتصاد الأعمال