جغرفة العمل الخيري

هل للعمل الخيري الإنساني موطن وحدود جغرافية؟ إذا كانت الإجابة بنعم فإن هذا العمل لم يعد خيرياً ولا إنسانيا، ذلك أنه أصبح مُجرِّداً من روحه التي تستهدف الإنسان أياً كان أصله وفصله وحيثما وُجِد، فوق أية أرض وتحت أية سماء، أما إذا كانت الإجابة بــ لا وهي الإجابة السوية فإنه العمل الذي فُطِرت عليه البشرية جمعاء، العمل الخيري الاغاثي الإنساني بسمو هدفه ونُبل مقصده المتجاوز للحدود الجغرافية والتباينات المجتمعية فضلاً عن الشخوص والمعتقدات.
 
الأعمال الخيرية الإنسانية في اليمن خضعت وتخضع لسياسة التمييز سواء أكان تمييزاً قبليا أو مناطقياً أو حتى تمييزاً بسبب الانتماءات السياسية، فالمشاريع الخدمية التي تعتبر عملاً خيرياً من خيرات ثورة اليمن السبتمبرية، خضعت في الماضي لمزاج الحاكم السياسي، على سبيل المثال لا الحصر، حُرِمت منطقة شرعب من المشاريع الخيرية الخدمية رغم قربها من مركز المحافظة، في حين أن مناطق بعيدة عن مركز محافظة تعز تكدست فيها المشاريع منذ السبعينات. كانت حُجّة حرمانها من تلك المشاريع الانسانية الرافدة للحياة والتطور المجتمعي هي " التخريب" وأن أبناء شرعب "مخربين"، في إشارة لأحداث الجبهة الوطنية التي وئدت في مطلع الثمانينات لكن وصمة التخريب ظلت تلاحق البلاد والعباد لسنوات بعد زوال ما عُرف بالجبهة الوطنية، وبهذه الطريقة تم جغرفة المشاريع الخيرية وحصرها في إطارها الضيّق استناداً لسياسات ارتجالية لا ترى تأثير قراراتها على المدى البعيد، ترافق ذلك مع إدارج الإنسان تحت بند عقوبة التخريب ما أدى إلى حرمانه من الوظيفة العامة بمراكزها العليا والمتوسطة.
 
مع انقلاب المليشيات الهاشمية على الدولة اليمنية وجرّ اليمن إلى هذه الحرب المدمرة، ساءت أوضاع المواطن اليمني، وازدادت الطبقة العمالية فقراً وكدحاً، حتى أولئك الذين كانوا ميسوري الحال قبل اندلاع الحرب أتت عليهم هذه الحرب وأصبحوا كغيرهم من الذين سحقهم الفقر وأحاطتهم بهم الحاجة.
قبل عام من الآن ونتيجة لما آلت إليه أوضاع الناس حملت جمعية بذور الخير الاجتماعية احتياجات منطقة "الأكروف" من الإغاثة إلى المسئول الأول عن الإغاثة في اليمن، وعلى الرغم من تجاوب المسئول مع الحالة المجتمعية في بادئ الأمر إلا أن ذلك التجاوب لم يشأ له القدر أن يكتمل، إذ استمرت الوعود والإرساليات من ائتلاف إغاثي إلى آخر، الأمر الذي جعلنا نبحث عن سبب لتوقف القدر عند أبواب الكادحين هُنا وعلى هذه الجغرافيا، بينما واصل القدر زيارة عشرات آلاف المنازل في مناطق أخرى إذ لا تزال قوافل الإغاثة تتدفق إليها حتى اليوم مستفيدة من الجغرفة الحزبية والمناطقية..!
 
الأعمال الخيرية والإغاثية في اليمن بكل أسف تخضع لجغرفة متعددة، جغرفة مناطقية، جغرفة حزبية، والأخطر منهما هي جغرفة الإنسان، إذا كيف يمكن للإنسان أن يقدم للناس عملاً خيرياً إنسانياً بحتاً وفي قرارة نفسه يجغرف الإنسان ويرسم حدوداً بين من يستحق الخير ومن لا يستحق؟!
 
إغاثة الناس يجب أن تكون مجرّدة من كل عوامل التمييز والجغرفة التي كانت السبب في وجود مآسي العوز والفاقة المجتمعية الراهنة، هذه العوامل لم تكن موجودة عبر تاريخ اليمن التعاوني الإنتاجي ولم تظهر إلا بعد دخول الهاشمية الرسية إليها التي سنّت وأصّلت للطبقية والتمييز على أسس سلالية ومذهبية وجغرافية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص