الكلمة الأولى لدولة رئيس الوزراء من عدن… ماذا تعني للاقتصاد ومعيشة الناس؟

استمعتُ إلى كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني في الاجتماع الأول للحكومة بالعاصمة المؤقتة عدن، ويمكن القول إن الخطاب حمل ملامح مرحلة اقتصادية جديدة، عنوانها: الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء مسار تعافٍ منضبط ومؤسسي.

انعقاد الاجتماع الأول في عدن كان رسالة سياسية واقتصادية بأن مركز القرار التنفيذي حاضر ميدانياً، وأن العاصمة المؤقتة مرشحة لتكون منصة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على استعادة فعاليتها المالية والخدمية؛ هذا التموضع له دلالة مباشرة على ثقة الأسواق، وسلوك الفاعلين الاقتصاديين، وتوقعات المواطنين.

الشق الاقتصادي في كلمة رئيس الوزراء كان واضحاً ومحدداً، وابتعد عن العموميات، حيث ارتكز على أربع دعائم رئيسية:

أولاً: الانضباط المالي وضبط الموارد العامة:
إعلان برنامج حكومي تنفيذي حتى نهاية العام، بمؤشرات أداء وجداول زمنية، يعكس انتقالاً نحو الإدارة بالنتائج (Management by Results)؛ التركيز على إيداع الإيرادات في البنك المركزي، وإيقاف الجبايات غير القانونية، وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة، يمثل خطوة جوهرية لاستعادة وحدة المالية العامة، وهي حجر الأساس لأي استقرار نقدي مستدام.

ثانياً: دعم استقلالية البنك المركزي وحماية العملة:
التأكيد على دعم استقلالية البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية، وحماية العملة الوطنية، وكبح التضخم، يعكس فهماً دقيقاً لطبيعة الاختلال القائم في الاقتصاد اليمني، حيث يشكل تآكل القوة الشرائية المؤشر الأكثر حساسية اجتماعيًا؛ كما أن الربط بين تحسن سعر الصرف وانعكاسه الفوري على أسعار السلع، مع تشديد الرقابة على الأسواق، يعكس إدراكاً لمعضلة “انفصال السعر النقدي عن السعر السلعي”، وهي معضلة عانت منها الأسواق اليمنية طويلاً.

ثالثاً: انتظام الرواتب كرافعة للطلب الكلي والاستقرار المعيشي للموظف:
اعتبار انتظام صرف المرتبات أولوية قصوى هو إجراء ذو أثر كلي مباشر على الاستقرار الاقتصادي، إذ يمثل الرواتب أحد أهم مكونات الطلب المحلي المنظم؛ انتظامها يعزز الثقة، ويقلل الضغوط على السوق النقدي، ويحد من توسع الاقتصاد غير الرسمي.

وعلى مستوى الفرد، فإن انتظام الراتب يعني للموظف القدرة على تلبية احتياجات أسرته الأساسية من غذاء ودواء وتعليم وسكن، ويمنحه قدراً من الاستقرار النفسي والمعيشي، ويقلل من لجوئه إلى الاستدانة، بما يحفظ كرامته ويعزز الاستقرار الاجتماعي.

رابعاً: موازنة واقعية لعام 2026:
الإعلان عن إعداد موازنة واقعية للعام 2026، ولأول مرة منذ أعوام، يحمل دلالة مؤسسية عميقة. فالموازنة ليست مجرد أرقام، بل أداة لتحديد أولويات الدولة، وإعادة ترتيب الإنفاق، وضبط العجز، وإعادة بناء العلاقة بين السياسة المالية والنقدية ضمن إطار تكاملي.

كما أن الإشارة إلى التحسن النسبي في الخدمات الأساسية وسعر الصرف، وربطه بإجراءات منضبطة ودعم الأشقاء في المملكة العربية السعودية، يعكس توجهاً لتحويل الدعم الخارجي من أداة إطفاء أزمات قصيرة الأجل إلى رافعة استقرار متوسط الأمد، وهو تحول مهم إذا ما أُحسن توظيفه ضمن رؤية إصلاحية واضحة.

اقتصادياً، يمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة لإعادة صياغة “عقد الثقة” بين الدولة والمواطن والسوق، عبر ثلاث رسائل واضحة:
- الدولة حاضرة ومقيمة في الداخل.
- القرار الاقتصادي سيكون منضبطاً ومقترناً بمؤشرات قياس.
- الاستقرار النقدي والخدمي أولوية تتقدم على الاعتبارات الأخرى.

التأكيد على محاربة الفساد، وتفعيل المناقصات بشفافية، وتمكين الشباب والمرأة يُعد عنصر مهم لتحسين بيئة الأعمال وتعزيز رأس المال المؤسسي للدولة، وهو ما ينعكس إيجاباً على جاذبية الاستثمار المحلي والخارجي في المرحلة المقبلة.

كما أن التشديد على تحويل عدن إلى أنموذج فعلي للدولة القادرة على تقديم الخدمات وفرض النظام يحمل بعداً اقتصادياً عميقاً؛ إذ إن التعافي يبدأ غالباً من “نقطة ارتكاز جغرافية” تُظهر نجاحاً ملموساً يمكن تعميمه تدريجياً.

بالمحصلة، يمكن وصف كلمة رئيس الوزراء بأنها أقرب إلى إعلان إطار استقرار اقتصادي مرحلي، قائم على:
- ضبط المالية العامة،
- دعم استقلالية السياسة النقدية،
- حماية القوة الشرائية،
- وتحويل الدعم الإقليمي إلى استقرار مستدام.

يبقى التحدي الحقيقي في التنفيذ والانضباط المؤسسي، لكن المؤشرات الخطابية والهيكلية توحي بأن الحكومة تدرك طبيعة الاختلالات، وتسعى إلى معالجتها بمنهج أقرب إلى الواقعية والانضباط منه إلى الشعارات.

إذا ما اقترنت هذه التوجهات بسرعة التنفيذ، واستمرار الدعم الإقليمي، وتعزيز وحدة القرار الاقتصادي، فإن المرحلة القادمة قد تمثل بالفعل نقطة تحول تدريجي نحو استقرار نقدي ومالي ينعكس مباشرة على معيشة المواطنين ويعيد بناء الثقة في مؤسسات الدولة.