أثارت رسالة "نعي أمه" المسربة التي بعث بها مهدي المشاط، رئيس ما يسمى المجلس السياسي الأعلى التابع لجماعة الحوثي، إلى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، موجة عارمة من السخرية السوداء والنقد السياسي اللاذع في الأوساط اليمنية؛ إذ كشفت الرسالة بوضوح عن حجم الهوة السحيقة بين العناوين العريضة التي ترفعها الجماعة وبين الواقع المهين الذي يعيشه كبار مسؤوليها في غرفهم المغلقة.
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن لغة الرسالة التي طغت عليها نبرة «الانكسار» و«التبعية المطلقة»، لم تكن مجرد تعبير عن حزن إنساني، بل كانت بمثابة إعلان رسمي عن فقدان الأهلية والقرار؛ فالمشاط الذي يرتدي بدلة «القائد الأعلى للقوات المسلحة» الحوثية، ويصدر التهديدات العابرة للقارات ضد القوى العظمى، ظهر في رسالته كـ «موظف مغلوب على أمره» يستجدي عطف مرجعيته الدينية ويشكو «قلة الحيلة» في أبسط حقوقه الفطرية.
وقد توقف المختصون عند اعتراف المشاط الصريح بعجزه عن زيارة والدته في أيامها الأخيرة رغم وجودها في مناطق تقع تحت سيطرته العسكرية، معتبرين أن هذا التصريح ينسف كل أوهام «السيادة» و«الكرامة» التي تروج لها الماكينة الإعلامية للجماعة؛ فمن يعجز عن كسر حصار «أمني داخلي» لتقبل يد أمه في لحظة احتضارها، لا يمكنه أن يقنع عاقلاً بقدرته على كسر حصار دولي أو مواجهة أساطيل العالم في معركة مفتوحة.
ووصف محللون هذه الحالة بـ «السجن الفاخر»، حيث يرتدي القادة نياشينهم فوق صدور مكلومة بالخوف، مشيرين إلى أن التبرير بوجود «عائق» حال دون الزيارة يسقط هيبة «الدولة» المزعومة، ويؤكد أن من يدير الدفة فعلياً ليس المؤسسات السياسية، بل هي هواجس أمنية استخباراتية حولت «رئيس الجمهورية» إلى سجين في جحره، يكتفي بإرسال رسائل تظلم لمرجعيتة بسبب الضعف وضيق المسارات.
وختم المختصون تعليقاتهم بالقول إن هذه الرسالة تمثل «سقوطاً أخلاقياً» لمفهوم التضحية؛ فبينما يُساق البسطاء إلى محارق الموت تحت شعارات البطولة، يقر القائد الأول بأنه فرط في واجب «البر» خوفاً على حياته أو امتثالاً لأوامر المنع، مما يجعل من حديث الجماعة عن تحرير القدس مجرد مادة للسخرية، طالما أن «طريق البيت» لا يزال مغلقاً بقرار من «الكافر العنيد» الذي يطارد أنفاسهم حتى في لحظات الوداع الأخيرة.
الحديدة لايف