شهدت محافظة مأرب تطوراً أمنياً لافتاً الثلاثاء، إذ أعلن اللواء ناجي علي حطروم، مدير فرع جهاز أمن الدولة بالمحافظة، استقالته من منصبه في خطوة مفاجئة جاءت على خلفية خلاف حاد نشب بينه وبين اللواء ناصر مبروك رقيب، وكيل المحافظة لشؤون الأمن والدفاع.
وبحسب مصادر مطلعة، اندلع الخلاف خلال جلسة المكتب التنفيذي، التي انعقدت برئاسة الشيخ علي محمد الفاطمي بحضور مدراء المكاتب التنفيذية في المحافظة، حين تصاعد التوتر بين الطرفين في سياق نقاشات تتصل بالملف الأمني.
وأشارت المصادر إلى أن المشادة الكلامية بلغت ذروتها داخل قاعة الاجتماع، مما دفع اللواء حطروم إلى إعلان استقالته فورياً، في مشهد يكشف عمق الشرخ القائم بين القيادات الأمنية في المحافظة.
ويأتي هذا التطور في سياق حالة من الاحتقان الأمني والإداري التي تشهدها مأرب، في ظل هيمنة واسعة لقيادات حزب الإصلاح، الذراع اليمنية لجماعة الإخوان المسلمين، على المؤسستين الأمنية والمدنية بالمحافظة.
مأرب تحت القبضة الإخوانية
تُحكم قيادات حزب الإصلاح قبضتها العسكرية والأمنية على سلطة المحافظة، وتستغل ذلك النفوذ لإدراج آلاف الأسماء الوهمية في كشوف الجيش، فضلاً عن قمع الأصوات المنتقدة للفساد وتنفيذ اعتقالات تعسفية.
ويرى مراقبون أن ما يجري في مأرب ليس مجرد احتكاك بين أفراد، بل هو انعكاس لصراع هيكلي عميق.
يُشير ناشطون محليون إلى أن قيادات الحزب تمارس "هيمنة مزدوجة" على القرارين الأمني والمدني، ما يُضيّق مساحة الحريات، ويُعيق مكافحة الفساد، ويُقوّض مبدأ الفصل بين السلطات.
ويذهب مختصون إلى أن جوهر الأزمة يكمن في أن بعض الأجهزة الأمنية في المحافظة تُدار من قبل قيادات حزبية، مما يُفرز بيئة "خارج إطار المساءلة"، تُوظَّف فيها أدوات الدولة لملاحقة الخصوم أو إسكات المنتقدين.
دلالات الاستقالة
يرى مراقبون أن ما جرى داخل قاعة الاجتماع يتجاوز بكثير مشادة كلامية عابرة، فالصدام بين مدير جهاز أمن الدولة ووكيل المحافظة لشؤون الأمن يُجسّد حالة التضارب البنيوي في صلاحيات الأجهزة الأمنية، وهو ما يعكس إشكالية أعمق تتعلق بمن يملك القرار الأمني الفعلي في مأرب.
وكان مجلس القيادة الرئاسي اليمني أقرّ دمج أجهزة المخابرات التابعة لمكوناته في المحافظات المحررة في جهاز واحد سمي "جهاز أمن الدولة"، غير أن التطبيق الفعلي لهذا القرار يصطدم بعقبات جوهرية في المحافظات التي تهيمن عليها تشكيلات بعينها، ومأرب نموذج صارخ على ذلك.
النفط والسلطة والصراع الخفي
تحوّلت مأرب الغنية بالنفط والغاز إلى صندوق أسود تُدار فيه المليارات بعيداً عن رقابة البنك المركزي وأجهزة المحاسبة، إذ يرفض قادة محليون موالون للحزب توريد العائدات النفطية والغازية إلى الحسابات الحكومية، فيما يعيش النازحون في مخيمات المحافظة أوضاعاً مأساوية تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
ويُحذر مختصون من أن استمرار هذا المشهد يُفضي إلى تحوّل مأرب من محافظة يمنية تحت سلطة الشرعية، إلى كيان شبه مستقل، في ظل ما تُشير إليه معطيات من أن المحافظة باتت تحمل ملامح "دويلة" خاصة بجماعة الإخوان ممثلةً بذراعها المحلية حزب الإصلاح المسيطر على زمام الحكم فيها.
ضغط يُعجّل انكشاف التناقضات الداخلية
في ظل التحركات الأمريكية الرامية إلى إدراج حزب الإصلاح على قوائم التنظيمات الإخوانية الخاضعة للعقوبات، يرى محللون أن الضغط الدولي المتصاعد بدأ يُعرّي التناقضات الداخلية للمنظومة الإخوانية في مأرب، فالاستقالة المفاجئة قد تكون مؤشراً على تصدّعات تنشأ في البنية الداخلية لقيادات الحزب تحت وطأة هذا الضغط، أو ربما تعكس صراع نفوذ بين أجنحة مختلفة داخل المنظومة ذاتها.
وكان حزب الإصلاح يواجه ما وُصف بأنه "الزلزال السياسي والأمني الأعنف منذ تأسيسه"، إذ لم تعد الاتهامات الموجهة إليه مجرد مناكفات سياسية.