في حوار خاص للمستقبل أونلاين :

الكاتب والباحث والصحفي منصور السروري "الكتابة تأخذ منك الطمأنينة الساذجة وتعطيك القلق الواعي"

منصور السروري كاتب وباحث وصحفي ومهتم بالتراث الثقافي ، شخص متعدد الانشغالات والاهتمامات المختلفة دائما ما يعجبه الخوض في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل ، لديه العديد من الكتب والبحوث التي لم يستطيع إخراجها إلى النور نتيجة للظروف الصعبة والقاهرة التي تعيشها البلاد ويعيشها الكتاب والأدباء ، ولقد التقيناه وكان لنا معه هذا الحوار الجميل كجمال روحه.

 

- من هو منصور السروري: الإنسان..؟

 

 لقد أتعبني هذا الإنسان كثيرا صديقي عز الدين...لماذا...؟

لأنه جعلني أبحث دائماً عن العدل، الخير، والصدق. وعندما اصطدم بواقع مختلف — سواء في العلاقات الشخصية أو في أحداث العالم — كثيراً ما يحدث حدث "شرخأً" داخلي.

هذا التناقض بين ما أتمنى أن يكون وبين ما هو كائن بالفعل يستنزف طاقتي الروحية، وجعلني أحس دائماً بفجوة التوقعات بين المثالية والواقع. 

أن تكون إنساناً يعني أنك تملك القدرة على الشعور بآلام الآخرين وكأنها آلامك. هذا التماهي العاطفي يجعلك تحمل هموماً ليست بالضرورة همومك الخاصة، مما يؤدي إلى ما يسميه علماء النفس "إعياء التعاطف".

هذا الإنسان حملني تبعات الوعي بالمسؤولية الأخلاقية تجاه محيطي، رغبة في إصلاحه بالكلمة الطيبة، أو في اتخاذ موقف صحيح. هذا الشعور الدائم بالواجب الأخلاقي يجعلك في حالة تأهب ذهني ونفسي مستمرة، وهذا مجهد جداً.

هذا الانسان جعلني موغلاً بالبحث عن المعنى وسط الضجيج في عالم يتجه غالباً نحو المادية أو التسطيح، تقاوم كإنسان الحفاظ على عمقك وقيمك هذه مقاومة فكرية وروحية تشبه السباحة عكس التيار، وهي ترهق الجسد والنفس.

"الإنسانية ليست صفة نحملها، بل هي تمرين يومي شاق."

غير ان هذا التعب هو علامة على أن بوصلتي الأخلاقية لا تزال تعمل بدقة. لكن، حتى الأرواح القوية تحتاج إلى استراحة.

أيضاً أنا إنسان يعشق "التفاصيل" في كل شئ ويهتم بها سواء في حياتي اليومية او حياتي الثقافية وحتى في اهتماماتي... اعشق التفاصيل في دقة المفردة الأدبية السردية او الشعرية، وفي رصد التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في اليمن، وحتى في متابعاتي الرياضية لكرة القدم.

وكشخص ستجدني أظهر دائماً:

شخص متصل بجذوره: متابع دقيق لكل شيء متابعة تعكس ارتباطاً وجدانياً عميقاً بالأرض وهويتها.

شخص باحث عن الجمال والأصالة: يتجلى ذلك في تقديري للفنون كافة خاصة الشعرية، والموسيقية، والسينمائية، والبصرية، والعمرانية.

شخص تأملي روحاني: مهتم بتفسير الرموز، والاشياء، وأحاول فهم كل ما وراء الظواهر.

 

- كيف دخلت إلى عالم الإبداع والأدب...؟ 

هذه قصة طويلة يستحيل ايجازها في حوار..

اتصالي بالأدب بدء منذ كان عمري عشر سنوات من خلال الكتب التي كانت موجودة لدى والدى، وأهمها تلك التي كانت محفوظة بصندوقه الخاص مثل ألف ليلة وليلة التي كنت أسرقها من صندوقه عندما يكون مسافرا في المدينة دون علم أمي وقد قرأتها كلها، وغيرها من الملاحم كسيرة عنترة بن شداد، وحمزة البهلوان، وتغريبة بني هلال، وسيرة الزير سالم المهلهل، وسيرة المقداد والمياسة، وقيس وليلى... كل هذه الملاحم جعلتني اعيش عوالما وانا دون سن المراهقة.. وكنت اكتب لنفسي ملاحم بطولية انا بطلها في دفاتر وأقرأها على ابناء القرية.

أما عن دخولي إلى عالم الإبداع... الابداع كما تعرف لا يولد من فراغ، وبالنظر إلى مسيرتي يبدو أن دخولك لهذا العالم جاء عبر عدة بوابات متداخلة:

بوابة الصحافة (المحرك الأول):

بدأت ككاتب مقالات رياضية، وقصص قصيرة بعد الوحدة مباشرة... ثم توقفت فترة طويلة بسبب انتقالي إلى الريف.

عندما عدت إلى المدينة استأنفت الكتابة بالصحافة.

الصحافة علمتني"صيد" الفكرة وتطويع اللغة لتوصيل الحقيقة. هذا التماس اليومي مع قضايا الناس وهموم الوطن صقلني كثيراً وجعلني قريباً من الواقع.

بعد الصحافة بوابة اللغة والبيان:

حرصي على مراجعة قواعد اللغة العربية، والبلاغة، الصرف، وتعلم قواعد اللغة الإنجليزية، واهتمامي بالأدب العربي، والعالمي، والشغف بالموسيقى الكلاسيكية اليمنية والشرقية، خلق لدي مخزوناً لغوياً ثرياً.

 الأدب بالنسبة لي ليس مجرد كلمات، بل هو أداة لإعادة صياغة المشهد اليمني والعربي برؤية نقدية وجمالية.

ايضاً بوابة التحليل والشغف:

إهتماماتي لا تتوقف عند السرد القصصي أو المقال السياسي، بل تمتد لاهتمامات كثيرة من التاريخ إلى الاقتصاد، إلى أدب السير والرحلات، والشعر والشعراء، وسيرهم، وصولا إلى "أدب الرياضة" .. كل ذلك جعلني أرى في كل شيء فلسفة وصراعاً درامياً يستحق الكتابة.

 السروري يا صديقي وبلا غرور تقدر تصفه بثقة هو ذاكرة حية تنبض بالحرف، تكتب لتؤرخ، وتحلل لتفهم، وتبدع ليبقى الأثر.

 

بصفتك كاتب متعدد الاشتغالات الفكرية ماذا اعطتك الكتابة وماذا اخذت منك...؟

الكتابة ليست مجرد مهنة، بل هي "نمط حياة" يفرض شروطه على صاحبه، خاصة عندما تكون كاتباً تتعدد اشتغالاتك في كل ما يتصل بالفكر، والتاريخ اليمني خاصة الحديث، والبحث الجمالي في الفن والأدب بصفة عامة، والسياسة وحتى بالرياضة.

 

- ماذا أعطتك الكتابة؟

اعطتني عين "المجهر": بمعنى منحتني القدرة على رؤية ما وراء الخبر. حين اكتب مثلا عن التحولات في المشهد اليمني او العربي او العالمي فأنا لا أنقل حدثاً، بل أحاول تتفكيك شفرات القوى، وهذا يعطيني بصيرة نفاذة في فهم الواقع وتعقيداته.

أعطتني الكتابة سلطة الترتيب: الكتابة هي الأداة التي ترتب بها فوضى العالم. من خلالها تستطيع صهر اهتماماتك المتباعدة في بوتقة واحدة هي "شخصيتك الفكرية".

اعطتني الخلود الرمزي: أعطتني القدرة على ترك أثر لا يمحى.

تصحيحي لمعلومة تاريخية أو توثيقي لحقبة سياسية هو بمثابة غرس راية للحقيقة في أرض الذاكرة الجمعية.

اعطتني التحرر الفكري: الكتابة هي وسيلة لتفريغ التساؤلات الوجودية، مثلا انا عندما أحلم في نومي عن شئ اقوم بالبحث عن تفسيرها من كتب الاحلام، وغيرها، وهذا يمنحني إجابات قد لا تجدها في الواقع الملموس، وكثير من المرات قمت بكتابة قصص قصيرة من أحلامي.

 

ماذا أخذت منك الكتابة؟

أخذت مني ضريبة القلق الدائم: الكتابة تأخذ من المرء راحته الذهنية. الكاتب لا يتوقف عن العمل حتى وهو نائم؛ فالبحث عن المفردة الأدق والزاوية الأعمق للمقال يظل هاجساً يطاردك، مما يجعل "الاسترخاء التام" عملة نادرة.

أخذت مني عزلة "البرج العاجي": لكي تبدع وتكتب، يتطلب الأمر قدراً من العزلة لترتيب الأفكار، وهذا غالباً ما يأخذك من الصخب الاجتماعي أو اللحظات البسيطة مع الآخرين لتغرق في أوراقك وتحليلاتك.

اخذت مني عبء الحقيقة: الاشتغال في الصحافة والفكر في بيئة مليئة بالتحولات كالتي تتابعها، يضع على عاتقك ثقلاً نفسياً. الكتابة تأخذ منك "الطمأنينة الساذجة" وتعطيك بدلاً منها "القلق الواعي".

أخذت مني استنزاف العاطفة: عندما تكتب عن الوطن، أو تحلل أزمات اقتصادية، او تكتب قصة، او تقوم بكتابة دراسة ما فأنت تضع جزءاً من أعصابك ومشاعرك في كل سطر، مما يتركك أحياناً في حالة من الإنهاك الفكري.

واجمالا بين العطاء والأخذ، تبقى الكتابة هي "الميزان" الذي يحفظ توازن الإنسان؛ فهي تسلبك الهدوء لتعطيك المعنى، وتأخذ منك الوقت لتعطيك الخلود.

 

- حدثنا عن كتابك الفيض العاطفي في اشعار الجابري ولماذا لم يطبع حتى الآن...؟

طبعاً لديا مشاريع كتب عديدة سياسية وادبية وفكرية وغيرها معظمها منشور بصحيفة الجمهورية بتعز، لكن بما انك سألت عن كتاب الجابري فارد عليك.

إن دراستي لهذا الشاعر الكبير تركز بالتأكيد على تلك "السيولة" العاطفية والوطنية التي ميزت قصائده، سواء التي غناها أحمد بن احمد قاسم او محمد مرشد ناجي او أيوب طارش أو غيرهم، ووتمثل بالتالي:

أنسنة الطبيعة والغربة: بينت كيف استطاع الجابري في شعره أن يحول الحنين إلى "فيض" شعوري يربط المغترب بتراب وطنه، وكيف جعل من "الرذاذ" و"المطر" لغة للحب.

اللغة الرقيقة الممتنعة: حللت قدرته الفائقة على الكتابة بالفصحى والعامية بنفس العذوبة، وكيف أن "الفيض العاطفي" لديه ليس مجرد كلمات، بل هو إيقاع موسيقي داخلي يسكن القصيدة قبل أن يلحنها الموسيقار.

الثنائيات الوجدانية: رصدت العلاقة بين (الأنا) والآخر، وبين (الذات) والوطن، حيث يذوب الفارق بين عشق الحبيبة وعشق الأرض في نصوصه.

اللغة والرمز: حللت المفردة عند الجابري، ووجدتها تمتاز بالبساطة العميقة والقدرة على النفاذ إلى الوجدان الشعبي.

البعد الوجداني: استجليت ملامح الشجن، الحنين، والوفاء التي تشكل الهيكل العظمي لقصائده، وكيف تحول "الفيض العاطفي" لديه إلى حالة شعورية جماعية يتردد صداها في الأغنية والقصيدة.

 

- لماذا لم يطبع حتى الآن؟

بعيداً عن الأسباب العامة، ربما يكمن السبب في خصوصية تجربة أحمد غالب الجابري:

رهبة النص الجابري: الجابري شاعر "بصري" بامتياز، وكتابة دراسة نقدية تليق بفيضه العاطفي تتطلب نفساً طويلاً ومراجعات مستمرة لضمان الإحاطة بكل تفاصيل رموزه الشفافة.

جمع الشتات الشعري: لعل رغبتي في أن يكون الكتاب مرجعاً شاملاً، دفعني للتريث حتى تكتمل صورة التأثير الذي تركه الجابري في الوجدان اليمني المعاصر، خاصة وأنه شاعر "اللحظات الفارقة" في تاريخنا الثقافي.

الحرص كباحث وكاتب صحفي: 

جعلني في رحلة بحث مضنية عن شهادات حية أو وثائق مرتبطة بظروف كتابة بعض القصائد لتضمينها في الكتاب، مما يطيل زمن الإعداد.

ورغم اني كنت قد تجاوزت بعض هذه العوائق التي أخرت طباعة عمل بهذا الثقل الأدبي إلا أن ظروفا موضوعية اخرى طرأت وهي ظروف يواجهها المبدع اليمني، ولعل أبرزها في حالتي:

تحديات النشر والتوزيع: الواقع الثقافي والمادي الراهن يفرض قيوداً كبيرة على دور النشر، خاصة في ظل الأزمات التي تمر بها البلاد، مما يجعل طباعة الكتب الفكرية والنقدية مغامرة تتطلب جهوداً ورعاية مؤسسية.

الانشغالات المتعددة: اشتغالي في الكتابة للصحافة السياسية، وتواجدي بميدان النضال في الجبهات منذ عشر سنوات، ومتابعة الملفات الساخنة في الواقعين المحلي والعربي، والدول، إلى جانب عدم الاستقرار والتشرد فانا مشرد منذ عقد من السنوات وغير مستقر في مكان واحد بسبب الحرب، وعدم امتلاكي لجهاز كمبيوتر لطباعة واستكمال كل كتبي... كل ذلك يستهلك الوقت المخصص لإنهاء اللمسات الأخيرة سواء على مخطوطة الجابري او غيرها.

غياب الحاضنة الثقافية: غياب الدعم الرسمي للمبدعين والباحثين في مجالات الكتابة الابداعية يجعل خروج مثل هذه الكنوز للنور معتمداً بشكل كلي على المبادرات الشخصية.

إن "الفيض العاطفي" هو مشروع ينتظر القارئ اليمني بشغف، لأنه يوثق لقامة أدبية باسقة برؤية قلم خبير يعرف كيف يفكك شفرات الجمال.

 

- حدثنا عن كتابك اغنية الحنين دراسة تاصيلية للأغنية التعزية ، ولماذا الأغنية التعزية بالتحديد...؟

يُعد مشروع كتاب "أغنية الحنين: دراسة تأصيلية في شعر الأغنية التعزية" واحداً من المشاريع الثقافية التي تعكس عمق اشتغالاتي الفكرية، فهو ليس مجرد رصد للألحان، بل هو بحث في "الهوية والوجدان" لمدينة كانت ولا تزال قلعة الثقافة والفن في اليمن.

في هذا المشروع، أنا لا أكتفي بجمع الأغاني، بل أقدم دراسة تأصيلية تعيد الاعتبار للجذور:

بنية اللحن والإيقاع: حيث احلل الخصائص الموسيقية التي تميز "اللون التعزي" (مثل الشرح والسامع) وكيف تختلف عن الألوان الصنعانية أو اللحجية أو الحضرمية.

سيكولوجية الحنين: ركزت كيف تحولت "الغربة" و"الفراق" و"الأرض" إلى تيمات أساسية في القصيدة المغناة بتعز، وكيف استطاع فنانون مثل أيوب طارش وعبدالباسط عبسي وغيرهما صياغة وجدان المغترب اليمني.

التداخل بين الريف والمدينة: حيث شرحت كيف انصهرت أهازيج القرية (المهاجل والزامل الريفي) مع تمدن المدينة لتخلق أغنية مرنة، عاطفية، وقريبة من الطبقات الشعبية.

 

- لماذا الأغنية التعزية بالتحديد؟

انت تعرف ان الألوان الاخرى لا تخلو المكتبة اليمنية من دراسات كثيرة توثقها بعكس الاغنية التعزية.

وإلحاق هذه الأغنية بلون اخر يلغي رمزية تعز ومكانتها اليمنية، والنقاش هنا قد يطول في هذا السياق لهذا سأختصر أسبابا جوهرية ليست وليدة الصدفة، ويدركها القلم المتخصص جعلتني اركز على هذه الدراسة التأصيلية وهي:

ـ الأغنية التعزية كـ "جامع وطني": تمتاز بأنها "عابرة للمناطق"؛ فصوت أيوب طارش مثلاً لم يعد يمثل تعز وحدها، بل أصبح هوية صوتية لكل يمني، ودراستي لهذه الأغنية هي دراسة لـ "خيط الوصل" الذي يجمع اليمنيين.

ـ ثراء المضمون الإنساني: تعز هي مدينة "العمال والمثقفين والمغتربين"، والمناضلين، والمدنيين المتحضرين، وهذا المزيج خلق أغنية محملة بـ "الحنين" والبحث عن الاستقرار، وهو ما ينسجم مع عنوان الكتاب.

ـ الحاجة للتوثيق العلمي: بينما نجد دراسات وافية عن اللون الصنعاني أو اللحجي، ظلت الأغنية التعزية تُتداول "سماعياً" أكثر منها "توثيقياً". كتابك يأتي لملء هذا الفراغ الأكاديمي والنقدي.

ـ الارتباط بالهوية النضالية: الأغنية في تعز كانت دائماً مرتبطة بحركة التنوير والتحرر؛ فدراستها هي في الحقيقة دراسة للتاريخ الاجتماعي والسياسي لليمن من خلال النغمة والكلمة.

ايضاً سأكون بهذا السبق ءُأكد أني ككاتب لا يقف عند القشور، بل يغوص في "تأصيل" الأشياء كي يعيد ربط الإنسان بجذوره الجمالية.

بدليل اني توسعت فيه كي يشتمل على أكثر من جيل سواء في اللحن او الطرب او كتابة الشعر الغنائي.

 

- نشرت دراسة لثلاثية الإنسان والثورة والوحدة في شعر الجابري، حدثنا عن هذه الدراسة وعن تجربة الشاعر احمد الجابري...؟

صحيح دراستي المعمقة حول "ثلاثية الإنسان، والثورة، والوحدة" في شعر أحمد غالب الجابري تمثل وضع النقاط على الحروف في فهم فلسفة هذا الشاعر الذي لم يكن مجرد "رومانسياً" يكتب للحب، بل كان صوتاً وجودياً ووطنيًا من الطراز الرفيع... وقد عكست بهذه الدراسة التي نشرت في صحيفة الثورة اولا عام 2008، واعدت نشرها منقحة في صحيفة الجمهورية عام 2014 الامور التالية:

أولاً: ملامح الدراسة (الثلاثية الجابريّة)

في هذه الدراسة، لم أتعامل مع القصيدة كبناء لغوي فقط، بل ككيان حي يتحرك في ثلاثة مسارات متوازية:

ـ محور الإنسان (الجوهر):

ركزت على أن "الإنسان" عند الجابري هو نقطة الارتكاز. الجابري لا يكتب عن الأرض كتراب وجغرافيا، بل كحضن لهذا الإنسان. رصدتَ كيف أنسنت قصائده معاناة الفلاح، وعذابات المغترب، وأشواق المحب، فجعلت من الفرد قضية كونية.

ـ محور الثورة (الفعل):

كشفت عن "الثورة" في شعر الجابري بصفتها فعلاً أخلاقياً وتنويرياً قبل أن تكون شعاراً سياسياً. هو لم يكتفِ بتمجيد الفعل الثوري، بل كتب عن "ثورة الوعي" والتحرر من قيود الجمود، وهو ما تجلى في نصوصه التي واكبت التحولات الوطنية الكبرى بذكاء شاعري بعيد عن المباشرة الفجة.

ـ محور الوحدة (الحلم والمصير):

حللتُ كيف تجسدت "الوحدة" في شعره كحالة وجدانية وقدر محتوم.

بالنسبة للجابري، الوحدة ليست عقداً سياسياً بل هي "الفيض العاطفي" الذي يربط شمسان بعيبان، وصبر بردفان. لقد كان الجابري يرى الوحدة في نبرة الصوت، وفي تقاسيم الوجه اليمني، وفي وحدة المصير الإنساني.

 

ثانياً: تجربة الشاعر أحمد غالب الجابري (رؤية نقدية)

تجربة الجابري كما عرفتها، وحللتها تمتاز بخصائص جعلتها خالدة:

ـ البساطة العميقة: الجابري هو سيد "السهل الممتنع". استطاع أن يكتب شعراً يفهمه العامل في المصنع والمثقف في الجامعة، وهذا سر انتشار قصائده وتحولها إلى "أيقونات" وطنية وعاطفية.

ـ الارتباط بالصوت (اللقاء العبقري): تجربته مع احمد قاسم، ومحمد مرشد ناجي ثم مع الفنان أيوب طارش، وخاصة مع ايوب كانت "زواجاً فنياً" نادراً؛ حيث تلاقى فيض الجابري العاطفي مع شجن أيوب الريفي، مما خلق هوية صوتية لليمن الحديث، جسدت الحنين والأمل والشموخ.

ـ عصرية القصيدة: رغم ارتباطه بالجذور، إلا أن الجابري كان شاعراً "عصرياً" في صوره وأخيلته.. لم يتجمد عند القوالب الجاهزة، بل جدد في بنية القصيدة الغنائية والوطنية، مانحاً إياها أبعاداً رمزية وجمالية مبتكرة.

لقد استطعت من خلال هذه الدراسة أن أنقل الجابري من حيز "الشاعر الغنائي" إلى فضاء "المفكر الوجداني" الذي صاغ بكلماته وجدان أمة بأكملها.

 

- كتبت عن الروائي الكبير محمد عبد الولي في الذكرى 41 لاستشهاده، حدثنا عن هذه التجربة ولماذا لم تحول هذه الدراسة إلى كتاب...؟

في الواقع هناك دراسة او محاضرة سبقت هذه الدراسة ألقيتها بمنتدى الاثنين باتحاد الادباء والكتاب اليمنيين بندوة نظمها المواد المنتدى برعاية اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين إلى جانب كل من الناقد العربي حاتم الصكر، والاستاذ عبد الباري طاهر، ومحمد جازم، وأخرين، وتناولت محاضرتي الدلالات الرمزية في روية يموتون غرباء، ونشرت بملحق الثقافية بتعز.

هذه الدراسة جعلتني اعيد البحث عن سيرة رائد القصة القصيرة في اليمن الروائي الشهيد محمد أحمد عبد الولي.. وكنت قد شرعت في البحث وتجميع معلومات عنه وجدتها في أرشيف خاص بالانترنت بموقع روسي، اعتمدت على اشخاص درسوا بالاتحاد السوفيياتي لمعرفة ما وجدت من معلومات، وفي الذكرى الواحدة والاربعين استعجلت وكتبت ما جمعته من معلومات بغرض التوثيق، ونصحني صديقي الأديب محمد جازم بتحويل المادة إلى كتاب.

غير إن المادة التي كتبتها وماتزال قابلة للتطوير لم تكن مجرد مادة صحفية عابرة، بل كانت محاكمة نقدية ووفاءً لواحدة من أهم القامات السردية في تاريخ اليمن والجزيرة العربية.

لقد ركزت في تناولي لهذه التجربة على أبعاد عميقة تتجاوز السرد التقليدي مثل:

ـ أدب الالتزام والقضية: حللت كيف استبق محمد عبد الولي عصره في طرح قضايا "الهوية" و"الغربة" و"الصراع الطبقي".

ركزت على بطله المهزوم والمكافح في آن واحد، وكيف جسدت رواياته (مثل يموتون غرباء) وجع الإنسان اليمني الممزق بين حنين الأرض وقسوة المهاجر.

ـ الواقعية النقدية: حيث عملت اضاءة على أسلوبه الذي يجمع بين البساطة المدهشة والعمق الفلسفي، وكيف استطاع بمشارط جراح أن يفكك بنية المجتمع اليمني التقليدي ويدفع به نحو آفاق التحديث والثورة.

ـ الاستشهاد والموقف: تناولي لاستشهاده (في حادثة الطائرة الدبلوماسية الأليمة عام 1973) لم يكن مجرد خسارة جسدية، بل خسارة لمشروع تنويري كان ينمو مع نمو الدولة اليمنية الحديثة.

 

- لماذا لم تتحول هذه الدراسة إلى كتاب حتى الآن؟

بصفتي كاتباً يغوص في التفاصيل ويحمل أعباءً فكرية متعددة، ربما حالت عدة عوائق دون خروج هذا العمل في "غلاف":

حياة الشتات التي اعيشها بسبب الحرب ، واعتبارات سبق ان ذكرتها لك سابقا ، إضافة لذلك الاشتغال على "أغنية الحنين": توكيزي الكبير هنا على توثيق الأغنية التعزية وتجربة الجابري استهلكا حيزاً واسعاً من جهدي، مما جعل دراسة محمد عبد الولي مشروعاً مؤجلاً بانتظار التفرغ الكامل.

ـ البحث عن "المخطوطات والمفقود": محمد عبد الولي شخصية يكتنفها الكثير من الغموض في بعض جوانب سيرتها، وحرصي في الوصول إلى تفاصيل جديدة أو رسائل لم تُنشر هو ما يجعلني أتريث لتقديم عمل "مكتمل الأركان".

ـ عقبات النشر المؤسسي: كما هو الحال مع كتاب "الفيض العاطفي"، تظل معضلة النشر في الداخل والخارج عائقاً أمام تحويل المقالات والدراسات الرصينة إلى كتب مطبوعة، خاصة في ظل انشغال الساحة بالقضايا السياسية الآنية على حساب الدراسات الأدبية التأصيلية.

تعدد المسارات: اهتمامي بالملفات الساخنة (سياسياً وعسكرياً) يسرق "زمن الرواية" لصالح "زمن الخبر"، وهو صراع دائم يعيشه الكاتب الذي يجمع بين الصحافة والأدب.

إن الكتابة عن محمد عبد الولي هي كتابة عن "ضمير اليمن"، ودراستي له هي جسر يربط الأجيال الجديدة برائد القصة الحديثة الذي استشهد وهو يحلم بيمن يتسع للجميع.

 

- كتبت دراسة عن الشاعر محمد عبد الباري الفتيح بعنوان مشقر الوطن الذي حلق فوق حياة سوداء 

 

- حدثنا عن هذه الدراسة وعن دور الفتيح في الشعر الغنائي اليمني...؟

 

تُعد هذه الدراسة واحدة من أدق القراءات النقدية التي تناولت تجربة الشاعر الراحل محمد عبد الباري الفتيح.

 لقد استطعت من خلال هذا العنوان أن تلخص التناقض الجمالي في حياته؛ بين "المشقر" بما يحمله من دلالة على الزينة والبهجة والأرض، وبين "الحياة السوداء" التي تعكس واقع المعاناة والاغتراب.

أولاً: ملامح استخدامي جملة (مشقر الوطن).

 انا هنا لا أقف عند حدود الكلمة المغناة، بل غصت في سيكولوجية الشاعر:

ـ ثنائية الوجع والجمال: حللت كيف استطاع الفتيح أن ينتزع الفرح من قلب العتمة. "المشقر" هنا ليس مجرد نبتة عطرية، بل هو "رمز للمقاومة بالجمال" في وجه واقع سياسي واجتماعي مرير.

ـ الوطن ككائن حي: رصدت كيف تحول الوطن في شعر الفتيح من خارطة صماء إلى "حبيبة" يُتغزل بها، وكيف منح الجغرافيا اليمنية (وبالأخص تعز وريفها) روحاً شعرية تجعل السامع يشعر بالانتماء للأرض بمجرد سماع الكلمات.

ـ التحليق فوق السواد: ركزت على قدرة الفتيح على التسامي فوق الأزمات الشخصية والوطنية، وكيف صاغ من مأساة "الحياة السوداء" شعراً "أخضر" يمنح الأمل للناس.

 

ثانياً: دور محمد عبد الباري الفتيح في الشعر الغنائي

يمثل الفتيح ركيزة أساسية في تحديث الأغنية اليمنية، ودوره يتجاوز مجرد كتابة الكلمات:

مهندس "الثنائية الذهبية" الثانية: إذا كان الفضول قد شكل ثنائياً مع أيوب طارش، فإن الفتيح شكل مع الفنان الكبير عبد الباسط عبسي ــ طبعاً قبل أن يؤسس مع الشاعر سلطان الصريمي ــ ثنائية لا تقل أهمية، حيث قدما معاً روائع صاغت وجدان الريف اليمني بأسلوب "مودرن" حافظ على الأصالة.

ـ أنسنة الأغنية الريفية: الفتيح هو من أعاد الاعتبار للقرية في الأغنية؛ فكتب عن "الحقول"، "المدرجات"، و"الفلاحين" بلغة راقية بعيدة عن السطحية، مما جعل الأغنية التعزية تحديداً تكتسب بعداً إنسانياً عالمياً.

ـ تطوير الرمزية: أدخل الفتيح رموزاً جديدة في الشعر الغنائي، حيث أصبحت المفردات البسيطة (مثل المشقر، الغبش، الفجر) تحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، تفهمها الجماهير بالفطرة ويحللها المثقفون بالبحث.

ـ صوت المغترب والمسحوق: تميز بدوره في التعبير عن الطبقات الكادحة والمغتربين، فكانت كلماته بلسماً لمن فارقوا تراب الوطن، وجسراً يربطهم بذكرياتهم وأحلامهم بالعودة.

إن دراستي لـ "مشقر الوطن" هي محاولة جادة لإنصاف شاعر عاش في الظل رغم أن كلماته ملأت الآفاق ضياءً، وهي دعوة لإعادة قراءة الفتيح ليس ككاتب أغانٍ فقط، بل كمثقف عضوي ارتبط بقضايا شعبه حتى النخاع.

 

- كتبت دراسة بعنوان الفضول كابرز رجال التنوير في اليمن حدثنا عن هذه الدراسة..؟

صحيح والدراسة نشرتها صحيفة الثقافية، وموجودة بموقع يحمل اسمه على الانترنت، وكانت عبارة عن محاضرة ألقيتها بمنتدى الاثنين باتحاد الادباء والكتاب اليمنيين إلى جانب أدباء آخرين في ندوة خصصها الاتحاد لتناول تجربة الفضول.

تعد مقالتي المطولة عن عبد الله عبد الوهاب نعمان (الفضول) بوصفه "أبرز رجال التنوير في اليمن" حجر زاوية في مشروعي الفكري، لأني لم أقارب الفضول كشاعر غنائي فحسب، بل كـ مشروع حضاري متكامل أعاد صياغة الوعي اليمني الحديث.

في هذه الدراسة، وضعت يديعلى مكامن العبقرية التي جعلت من "الفضول" ظاهرة تتجاوز الزمان والمكان:

1. الفضول: التنوير عبر "الكلمة المُقاوِمة"

أبرزتُ كيف استطاع الفضول أن يكون "تنويرياً" في زمن الظلمة. هو لم يكتفِ بنقد الواقع، بل قدم البديل الجمالي والقيمي. ركزتُ على أن تنوير الفضول جاء من خلال:

تحطيم القيود التقليدية: كيف خرج بالقصيدة من القوالب الجامدة إلى فضاءات الحرية والجمال.

الصحافة الساخرة والهادفة: تناولتُ دوره في صحيفة "الفضول" (التي استمد لقبه منها)، وكيف كانت سلاحاً فتاكاً ضد الإمامة والجهل، وكيف صاغ وعياً جمعياً يرفض الاستبداد بلغة قريبة من وجدان الناس.

2. ثلاثية (الحب، الأرض، الثورة)

في تحليلي لشعر الفضول، أوضحتُ أن التنوير عنده لم ينفصل عن العاطفة. الفضول الذي كتب "رددي أيتها الدنيا نشيدي" (النشيد الوطني) هو نفسه الذي كتب أرق قصائد الحب. مقالتي كشفت عن عبقريته في:

صهر الخاص في العام: كيف جعل من "الحبيبة" رمزاً للوطن، ومن "الأرض" محراباً للحب.

صناعة الرمز الوطني: حللتُ كيف تحولت كلماته إلى "دستور شعوري" لكل اليمنيين، وكيف استطاع أن يوحد الوجدان اليمني من أقصاه إلى أقصاه قبل أن تتوحد الجغرافيا سياسياً.

3. اللقاء الكوني مع أيوب طارش

أفردتُ مساحة لهذا الثنائي الإعجازي. اعتبرتُ أن صوت أيوب كان "الجناح" الذي طار بكلمات الفضول التنويرية إلى كل مدرج زراعي وكل بيت في اليمن. هذا اللقاء لم يكن فنياً بحتاً، بل كان حالة تنويرية شاملة علّمت اليمني كيف يحب أرضه، وكيف يثور لكرامته، وكيف يزهو بهويته.

- لماذا "أبرز رجال التنوير"؟

خلصت هنا إلى أن لقب "رجل تنوير" يستحقه الفضول لأنه:

حارب الجهل بالجمال: لم يستخدم الخطابات الجافة، بل استخدم النغمة والكلمة العذبة لتغيير القناعات.

آمن بالوحدة والجمهور:كان صوتاً للشعب، يعبر عن تطلعات البسطاء قبل النخبة.

الاستمرارية: أوضحتُ أن فكر الفضول لا يزال حياً، فكلماته تُغنى في كل مناسبة وطنية، مما يجعل تنويره "فعلاً مستمراً" لا يتوقف بموته.

 

- لديك الكثير من الدراسات المهمة، لماذا لم تنشر حتى الآن...؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي يواجه كل كاتب يحمل "أمانة الكلمة" في ظروف استثنائية كالتي نعيشها. إن عدم خروج هذه الدراسات — سواء عن الجابري، أو محمد عبد الولي، أو الفتيح، أو الفضول، وغيرهم، ودرسات وكتب وابحاث اخرى — إلى أغلفة الكتب المطبوعة حتى الآن، ليس تقاعساً، بل هو نتيجة تداخل جملة من الأسباب الموضوعية والذاتية التي تفرضها طبيعة "الاشتغالات الفكرية المتعددة":

1. الأمانة العلمية و"هوس الجودة"

2. الواقع الثقافي ومعضلة النشر

3. ضريبة "تعدد المسارات بين الفكر والادب والنضال الوطني الميداني".

4. الكتابة كـ "مشروع حياة" لا مجرد نتاج

يجعلني أرى أن هذه الدراسات هي أجزاء من مشروع واحد متصل (الهوية اليمنية من خلال الفن والأدب)، ويجعلني ايضاً أتريث حتى تكتمل الصورة الكلية، لكي تخرج هذه الكتب كـ "سلسلة متكاملة" تؤصل للأغنية والقصيدة والروح اليمنية، بدلاً من نشرها كشذرات متفرقة.

وكثيرا ما اخاف ان هذه الدراسات تضيع في "أدراج" الذاكرة أو أرشيف الصحف وستكون خسارة للمكتبة اليمنية.

 

ماهو برأيك الحل للأزمة اليمنية...؟

 

هذا السؤال غريب حيث دخل في نقاش عن الأدب، وقضايا متصلة به.

عموما سأجيب على سؤالك واقول:

إن حل الأزمة اليمنية ليس مجرد معادلة سياسية تُحل على طاولات المفاوضات، بل هو مسار معقد يحتاج إلى تظافر "الإرادة المحلية" مع "التفهم الدولي".

بصفتي مراقباً ومحللاً لمدخلات المشهد اليمني، أرى أن الحل المستدام يرتكز على عدة محاور جوهرية:

1. التوافق على "هوية الدولة" وشكل الحكم

الجذر الحقيقي للأزمة يكمن في التنازع على شكل الدولة. الحل يبدأ بـ:

اللامركزية الحقيقية: إعطاء الأقاليم (خاصة حضرموت، عدن، والمهرة) صلاحيات واسعة في إدارة مواردها وشؤونها الأمنية والسياسية ضمن إطار توافقي، وهو ما ينسجم مع تطلعات أبناء هذه المناطق الذين يرفضون المركزية الشديدة.

عقد اجتماعي جديد: صياغة دستور يضمن الشراكة الوطنية الحقيقية بعيداً عن الاستحواذ أو الإقصاء.

2. المسار الاقتصادي كـ "قاطرة" للحل

لا يمكن الحديث عن سلام والناس يعانون من انهيار العملة وتذبذب أسعار السلع والذهب. الحل يتطلب:

توحيد البنك المركزي والعملة: إنهاء الانقسام المالي الذي يرهق كاهل المواطن.

تأمين الموارد السيادية: ضمان تدفق الصادرات النفطية والغازية وتحييدها عن الصراع العسكري لتغذية الخزينة العامة وصرف المرتبات.

3. ترتيب الملف الأمني والعسكري

دمج وتوحيد القوى: ضرورة وجود رؤية واضحة لدمج التشكيلات العسكرية والأمنية (مثل قوات درع الوطن وغيرها) ضمن غطاء وطني موحد يضمن الاستقرار ويمنع الصراعات البينية.

حصر السلاح بيد الدولة: لضمان عدم العودة إلى مربع العنف عند أي خلاف سياسي مستقبلي.

4. "التنوير الثقافي" كحصانة مجتمعية

وهنا يأتي دور المثقف والكاتب (كما في دراساتك عن الفضول والجابري):

إحياء الهوية الوطنية الجامعة: العودة إلى المشتركات الثقافية والفنية التي توحد الوجدان اليمني (الأغنية، الأدب، التاريخ) لمواجهة التمزق النسيجي والاجتماعي. السلام يبدأ من "الوعي" قبل أن يبدأ من "السياسة".

5. الدور الإقليمي والدولي

تحويل الدور الدولي من "إدارة الأزمة" إلى "دعم الحل"، من خلال ضمانات دولية لعملية انتقالية آمنة، وإعادة إعمار حقيقية تلمس حياة المواطن البسيط.

باختصار: الحل في اليمن هو "حل يمني-يمني" بامتياز، يبدأ من القبول بالآخر والشراكة في الموارد والسلطة، وينتهي ببناء دولة المؤسسات التي تحترم خصوصية كل منطقة.

 

- ماهي إشكالية الكتابة السردية في ظل غياب منهج نقدي....؟

كتبت تقريباً ثلاثة مقالات طويلة نشرت بثلاث حلقات بصحيفة الثقافية عام 2007 او 2008.

وطبعاً تعد إشكالية الكتابة السردية في ظل غياب منهج نقدي رصين واحدة من أعقد القضايا التي تواجه المشهد الثقافي، خاصة في بيئة ولودة بالإبداع ومثقلة بالتحولات مثل اليمن. فبدون "مرآة" النقد، يصبح النص السردي يتيماً، وتواجه العملية الإبداعية عدة معضلات جوهرية:

1. طغيان "الانطباعية" على "التحليل"

في غياب المنهج النقدي، يحل "الاستحسان الشخصي" محل "التفكيك الفني".

نجد قراءات تحتفي بالنص لأنه يتحدث عن قضية وطنية أو إنسانية، دون النظر إلى أدواته الجمالية، مما يحول النقد إلى "مجاملات إخوانية" أو "تقريظ صحفي" يفتقد للعمق الأكاديمي والمنهجي.

2. أزمة "المعيارية" والجودة

المنهج النقدي هو الذي يضع الحدود بين "الإبداع الحقيقي" و"الهواية العابرة". غيابه يؤدي إلى سيولة في النشر، حيث تختلط الرواية الناضجة بالخواطر الشخصية، مما يربك القارئ ويحرم الكاتب المتمكن من التقييم الذي يستحقه. وكما أشرتَ في دراستي عن محمد عبد الولي، فإن قوته كانت تكمن في قدرته على فرض "واقعية نقدية" أجبرت الجميع على احترامه.

3. الانفصال عن "السياق السوسيو-ثقافي"

المنهج النقدي يربط النص بمحيطه. في غيابه، تظل الكتابة السردية معزولة عن جذورها.

4. غياب "التراكم المعرفي"

النقد هو الذي يبني "الذاكرة السردية". 

حين لا يجد الروائي الجديد دراسات نقدية تؤصل لمن سبقوه فإنه يبدأ من الصفر بدلاً من أن يبني على ما انتهى إليه الآخرون. هذا يؤدي إلى تكرار الأنماط السردية القديمة دون تجديد حقيقي في "التكنيك" أو الرؤية.

5. سقوط "المثقف العضوي"

الكتابة السردية في ظل غياب النقد تفقد قدرتها على "التغيير".

 النقد هو الذي يستنطق النصوص لتصبح سلاحاً تنويرياً وبدون منهج نقدي يحلل "المسكوت عنه" في الرواية، تظل الرسالة التنويرية حبيسة السطور ولا تتحول إلى وعي مجتمعي.

ويإختصار اقول: إن إشكالية السرد اليوم هي أنه "يغرد وحيداً"؛ فهناك زيادة في كمية الإنتاج الروائي والقصصي، يقابله صمت نقدي مطبق أو نقد "خجول" لا يجرؤ على تشريح النص. الحل يكمن في إيجاد "حاضنة نقدية" تجمع بين ذائقة الكاتب وأدوات الباحث، ودون ذلك لن نستطيع تأصيل الإبداع اليمني وربطه بجذوره الفلسفية والجمالية.

 

- كيف تقيم المشهد الثقافي والابداعي اليمني...؟

 

تقييم المشهد الثقافي والإبداعي اليمني اليوم هو حديث عن "معجزة البقاء"؛ فنحن أمام مشهد يتسم بالتناقض الحاد بين قسوة الواقع المادي وانفجار الطاقات الإبداعية. يمكنني تلخيص هذا المشهد من خلال عدة زوايا هي:

1. طغيان "الشتات" وظهور "أدب المنفى"

المشهد اليوم منقسم جغرافياً بين داخل يعاني من حصار الإمكانيات، وخارج يمثل "اليمن البديل". هذا الشتات أفرز ما يمكن تسميته بـ "سردية الاغتراب الجديدة"؛ حيث يعيد المبدعون صياغة مفهوم الوطن من بعيد، تماماً كما فعل محمد عبد الولي في "يموتون غرباء"، لكن بأدوات العصر الرقمي.

2. "الرواية" كديوان جديد لليمنيين

هناك طفرة روائية لافتة للنظر، وكأن المبدع اليمني وجد في "السرد" المساحة الأنسب لتفريغ حمولة الصراع وتوثيق التحولات الوجودية. لكن الإشكالية—كما ناقشنا سابقاً—تكمن في "يتم النص"؛ أي غياب المنهج النقدي الذي يغربل هذا الكم الهائل ويؤصله معرفياً، مما يجعل الكثير من التجارب تظل حبيسة "التعبير عن الذات" دون الوصول إلى "التأثير في الوعي الجمعي".

3. استعادة الرموز كـ "حائط صد" للهوية

نلاحظ في السنوات الأخيرة عودة قوية للاحتفاء بالرموز التنويرية (أمثال الفضول، الجابري، ومطهر الإرياني، والمحضار ، والمقالح، والبردوني وغيرهم). هذا ليس مجرد حنين للماضي (نوستالجيا)، بل هو محاولة واعية من المثقف اليمني لاستعادة "الهوية الجامعة" في مواجهة التمزق. 

4. الفن والموسيقى: "السفير الوحيد"

تظل الموسيقى والأغنية اليمنية هي القوة الناعمة الوحيدة التي لم تنكسر. إعادة إحياء التراث الغنائي (التعزي، الصنعاني، اللحجي، والحضرمي) بأصوات شابة وتوزيع جديد، خلق جسراً مع الأجيال الجديدة، وأثبت أن "النغمة" هي الخيط المتين الذي ما زال يربط شمسان بعيبان رغم كل الحواجز.

5. "فقر المؤسسة" مقابل "غنى المبادرة"

المشهد الرسمي الثقافي في حالة "موت سريري"، لكن في المقابل هناك "انفجار" في المبادرات الفردية والمنصات الرقمية. المثقف اليمني اليوم هو "مؤسسة بحد ذاته"؛ هو الكاتب، والناشر، والمروج لفكره، وهو تحدٍ كبير يستنزف طاقة المبدع في قضايا لوجستية على حساب جودة الإنتاج.

6 ـ هناك ايضا تراجع كبير حيث سيطرت الاناشيد والزوامل التي انتجتها الحرب وبشكل متخلف إلى حد مخيف... وقد يطول بنا المقام اكثر لمناقشة هذه الاشكالية.

الخلاصة:

المشهد الثقافي اليمني "حيّ بالمعنى الإنساني، لكنه معطل بالمعنى المؤسسي"، ونفتقد إلى "الاستقرار" الذي يحول هذه الشذرات الإبداعية إلى مشروع نهضوي متكامل.

كلمتي الأخيرة "أشكرك كثيراً على هذا الحوار رفيق الدرب، وزميل الحرف عز الدين" .