الشاعر والناقد فارس العليي المستقبل اونلاين : الحرب تتغذى على الامل والاخلاق لصالح الانسان الوحشي الاول

حاوره عزالدين العامري

الشاعر فارس العلي هو احد فرسان الشعر اليمني واحد الشعراء الحداثيين الذين ساهموا ومازالوا يساهمون في سبيل الارتقاء بالشعر والقصيدة الحديثة كما له اسهاماته في العمل المجتمعي بحكم عضويتة في الكثير المنظمات المجتمعية والاهلية ومنها ترأسه لجمعية المستقبل الثقافية والابداعية بمحافظة حجة ونحن هنا التقيناه وكان لنا معه هذا الحوار :

في البداية ساسالك السؤال التقليدي المكرور والذي لا بد منه من هو فارس العلي الانسان؟

- سؤال معقد للغاية على فكرة إذ أن من الصعب على الفرد تقييم نفسه إنسانيا، يسهل هذا في السؤال الأدبي و الشعري، لكن انا الإنسان الذي تخبره و تعرف انت وغيرك اين تجده وتتعرف عليه كإنسان. - كيف كانت بداياتك مع الشعر ؟ تجربتي مع القراءة بدأت في وقت مبكر أثناء التعليم الإعدادي، إذ كنت و أخي الكبير خالد الذكر رحمه الله نقرأ الروايات و الشعر أثناء عودتنا سيرا على الأقدام من المدرسة في مدينة حجة إلى القرية، وبما أن المسافة كبيرة تمتد إلى ثلاث ساعات، فما كان منا إلا أن نتحايل على الوقت بقضاء معظمه في القراءة أثناء السير كي تنسينا قلق الطريق الطويل، ورغم أن إبن القرية منشغل بالكثير من الأعمال و المهام، إلا أنه رغم عن ذلك طالما كنا نجد لنفسينا الوقت المناسب للقراءة والتأمل، ومتابعة البرامج الثقافية الإذاعية لأن التلفزيون ليس متاحا بصورة مستمرة، فكنا نهتم بمتابعة البرامج الأدبية و الثقافية والإجتماعية عبر إذاعة بي بي سي العربية، و مونت كارلو الدولية، و من إذاعة القاهرة و إذاعة صنعاء أيضا، هذا قبل أن يتاح لنا لاحقا القدرة على شراء الدوريات و الصحف و المجلات العربية، و إقتنا الكتب عندما نمتلك المال وهذا في النادر. كانت بدايتي مع القراءة و التحصيل المعرفي أساس ساعد على تكوين الشاعر بداخلي ، و بعد الإعدادية انتقلت للدراسة في المعهد العالي للعلوم الطبية بصنعاء، اصبح اقتناء كتاب من المكتبة العامة أمرا سهلا، وهذا غير متوفر في أي مدينة من مدن محافظة حجة، الانتقال إلى العاصمة صنعاء في 1996م سمح لي التعرف على مجتمع الكتابة و الأدب وتجمعات ومؤسسات ونقابات طلابية و ثقافية وصحفية وأثناء هذه التجربة كان لدي فضول من نوع ما يجذبني للكتابة وتلخيص ما اقرأه، إلى أن بدأت كتابة بعض الشخبطات و الأفكار في الشعر و المقالات. تعرفت في هذه الفترة ببعض الأصدقاء الذين كان لهم فضل توجيهي للقراءة المركزة تجاه عناوين و كتب هامة منهم الصديق العزيز المهندس أمين العباسي وهو شاعر وأديب وواحد من أهم القراء والكتاب الخاصين بأستاذ اليمن الكبير عبدالله البردوني الذي تعرفت به عن طريقه عام 1998حيث كتبت أولى نصوصي الشعرية"دائما عودة" وكان عمري حينها 17 سنة، وأصبحت بعد ذلك من مرتادي فعاليات إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.

- ولماذا الشعر، وماهو تعريفك الخاص له؟

- في الحقيقة لا أدري من الذي اختار الثاني، أعتقد أن إحساسا فائضا يدفع بك إلى قول شيئا مميزا بشعور أكثر حساسية تجاه الأشياء و الكائنات، بعدها يتنامى إحساسك باللحظة كلما اوغلت في التأمل والقراءة و اكتساب المعرفة وتلقي صدمات الحياه ومواقفها الجميلة و البائسة، و عندما يتخلى عنك الحظ و تقتفي الخيبة آثارك و يصبح البرد في القلب شعورا أكثر قراصة منه على الجسد، إلى أن تقف على ضفه متينة، تستطيع منها أخذ تنهيدة عميقة لكتابة نصوص متوازنة بين الألم و السعادة وما يفرق في الأمر؛ اقصد بين شخصين يعيشون نفس الظروف أحدهم يكتب الشعر و الثاني لا يستطيع أمر يصعب شرحه أو توضيحه لأن الأمر يتعلق بالسجيه و الفطرة في إعادة خلق المشهد و التصورات و الأشياء من حولك بتلك الصنعه الفنية المدهشة، والقدرة على تنظيم انفعالك بمجاورة لغوية تدفع بك للإنسجام مرة تلو أخرى إلى أن يصبح الشعر بالنسبة لك رؤية حقيقية.

الشعر في تعريفاته المختلفة حالة رؤيويه تعيد وصف وتعريف العالم وفق حبكة لغوية شعرية رشيقة، تقول مالا يمكن قوله وما لم يحدث بعد أيضا، حسب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وهو استعاضة لإعادة الفوضى اليومية للهوامش و المتون إلى لحظة جلاء الهواجس الذي يدفع الشاعر لبدء حبكة الكتابة بتلك الطريقة السلسة و المعقدة في آن معا. لماذا لم تصدر ديوانك الاول حتى الان ؟ مع انه تستطيع القول أن ثمة ملل في شكل التسابق على طباعة المنتجات الإبداعية بين الشعراء و الكتاب اليمنيين وطريقة الترويج لها، إضافة الى وجود عزوف كبير عن قراءة الكتاب لدى الناس يعزز من اللامبالاة بأي نشر، إلا أنني شخصيا اعترف لك ولجميع القراء الاعزاء أنني شخص مهمل وكسل تجاه منتجاتي الإبداعية وهذا اوصلني إلى فقدان ثلاثة كتب جاهزة للطبع، مجموعتين شعريتين وكتاب تأملات في شعرية النقد و الفلسفة، بعدما تعرض هارد الكمبيوتر المحمول إلى تلف تام ، وحتى المجموعتين اللتين كنت جهزتهما مؤخرا في اللحظة الأخيرة من مراجعتهن انضربت شاشة كمبيوتري، لا أدري هذا ماحدث معي بشكل متكرر، إنما لدي مجموعة مراجعة وأخرى لازالت تحتاج إلى مراجعة سأقوم بطباعتهما عما قريب.

بمن تاثر الشاعر فارس العلي ولمن يعود الفضل في دخولك هذا العالم المجنون الذي يقال له الشعر؟

- لن تصدق ان قلت لك أنني اتأثر بأي قصيدة قد تكون لشاعر جاهلي أو شاعر شعبي، أو نص حداثي لأي شاعر في هذا العالم، لكني أؤكد لك اني لم اتأثر بشاعر بذاته عربي او عالمي كان أو يمني، ويمكنك قراءة نصوصي ولن تجد سوى اسلوبي هذا ما اعتقده وسأدع الحكم لك و للقارئ، هذا لا يعني أنني صعب المراس لا اتأثر بشاعر، إذ أن تأثيرات شعراء كُثر لهم قصائد و نصوص شعرية عظيمة تترك أثراً بالغ داخلي ولدى أي شاعر أو قارئ.

- من هم الشعراء اليمنيين الاقرب الى قلبك ولماذا؟

-أحب الأستاذ البردوني و الدكتور المقالح و محمد هيثم و أحمد الزراعي و شعراء زملاء آخرين أحب طريقة شعريتهم المميزة و الرائعة، فاليمن بلاد ولادة بشعراء تفوق منتجاتهم شعراء عرب كبار. هل مازال الشعر ديوان العرب ام ان الرواية سحبت البساط عنه؟ لم يعد الديوان العربي هو المنصة التي تنمو وتقال فيه القصيدة، هذا لأن وظيفة الشعر في القرن العشرين وما بعده لم يعد صوت القبيلة ولا طبول للحرب رغم التراجع الثقافي لصالح التقليدية والأيديولوجيات الدينية ومحاولتها لاستعادة قصائد وأناشيد الحرب بسبب ما تمر به اليمن الحبيبة، أعود للتأكيد أن وظيفة الشعر في القرن الأولى الى الواحد والعشرين هو نفسه، الا ان تطور الشعر وانتقاله من القالب العمودي الى التفعيله ومنها إلى النثر الشعري كان مفارقة للجمهرة و الزمجرة ليصبح الشعر بمفهومه الجديد خارج الضرورات المناسباتيه هجاء ومدح ومفاخره ليغادر الشعر الديوانين( المكان والكتاب ) وانا هنا لا أوجه اي تلميحات لشعر العمود و التفعيلة على الإطلاق فالشعر بالنسبة لي كما أشرت سابقا في النص الجدير المتجاوز .. في فائض المعنى و في محمولاته الرؤيوية وما تبشر به، كان عمودا او شعر حر ، شعر شعبي او قصيدة نثر، الأشكال و القوالب الشعرية ليست مهمة قدر أهمية النص وبنائه اللغوي وجمال صنعته الفنية، ومازال بشار بن برد أهم حداثي في قوله " كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه" لهذا اقول أن الشعر لم يعد منصة او ديوان لإستثارة الوعي الجمعي تجاه قضايا اجتماعية و سياسية بذاتها كي يستدعي النعرات والعنصرية والقوميات والطوائف ليشتط غضب طرف ما، الشعر الآن يذهب ويتوارى خلف المكنونات منبهما بأقنعته و رمزيته و لعبته الميتافيزيقية الخاصة، وهذا الإنبهام في شعر الحداثة بمثابة احتجاج على هذا الوضوح و السطحية التي تكشفها ادوات العلم و التطور التكنولوجي و المعلوماتي الهائل والروتين المتوقع لتسابق الاكتشافات، غير ان الشعر هو الرائي الذي لا يحتاج او ينتظر مساعدة من أحد بفرادة لن تجدها في أين من مجالات الحياة والعلوم ، و اذا كان قد تراجع جمهوره و متذوقيه لصالح الرواية وباقي الفنون العصرية، فلأن العالم يبحث عن النتيجة السريعة و المقاصد و الدلالات الواضحة، الا أن الشعر يظل خالد يقدم احفوراته في كبد الكون يلهم المعرفة ويتعالى عن القصود و المعاني و الصنع المستهلكة، لكشف الحُجب الغيبية وبالشعر فقط تتطور كل العلوم.

- بعد ثمان سنوات من الحرب كيف اثرت الحرب عليك كشاعر ومثقف وهل اصبح لدينا ما يمكن تسميته ادب الحرب؟

-هذا سؤال جيد، هام، و ملهم في آن واحد للكتاب و الشعراء والفنانين، فالكثير يرون الحرب خراب مطلق وهي كذلك، خطرة على كل المبادئ والحضور الإنساني وتخلف هذا الدمار الهائل، إذ أن الحرب تتغذى على الأمل و الأخلاق لصالح الإنسان الوحشي الأول "النياندرتال" الموسوم بفطرة الشهوات لا غير، لكن في المقابل لدى الحرب ما تعطيه فهي كما يقول الفيلسوف الهولندي العظيم سبينوزا " فرصة للتأمل" في أصل كل شي يجعل من البقاء المعركة الوحيدة لحركة الإنسان و تفكيره، وقد أنجز هذا الفيلسوف أهم كتبه إبان الحروب الأهلية في أوروبا وهولندا. لقد خسرنا الكثير في هذه الحرب، والخدوش المعلمة في دواخلنا ندوب خطرة من الصعب التغلب عليها ببساطه، لقد جعلتنا ندفع بقناعاتنا ومواقفنا الى اقصى حد مخيف يمكن تخيله. الشاعر اضافة للأرض والفلاح روحها والفنان و الأديب حكاويها و سردية وجودية عظيمة ساعة محنة الحرب و في اتراح السلام، لكن يبقى الشاعر ترنيمة واغنية أبدية ففي الحرب نتذكر نضالات اللاتينيين ومن كانوا في دول الحرب التي أسهم فيها شعرائها بتفكيك الذهنيات المراوغة باتجاه الحدث السياسي والعسكري أكثر من أي شيئا آخر.

-ماذا ينقص الشاعر والاديب اليمني ليتتجاوز محليته ويصبح ذا حضور عربي او عالمي؟

-ما ينقصنا جميعا كيمنيين من كتاب وشعراء وفنانين قلة احتكاكنا بالمشهد خارج اليمن وهذا يتطلب تعزيز العلاقات و الاتصالات و التواصلات مع الهياكل المؤسسية و الفعاليات و الأنشطة ذات الصلة، و بالتالي ومن أجل تجاوز شبه القطيعة هذه علينا التحول من الفردية إلى مأسسة الوعي، و البدء بالتفكير تجاه تفعيل الجيوب والتجمعات والمنتديات و الاتحادات الأدبية و الثقافية، وعلى كل منا برمجة وجوده لإيجاد أفكار و مشاريع للفاعلين الثقافيين وصياغتها في قوالب يمكن دعمها و تمويلها من المؤسسات الوطنية و العربية والعالمية ذات الصلة، وتركز على التأهيل و بناء قدراتهم وتنمية وتطوير إبداعاتهم ومنتجاتهم وترجمتها الى لغات اخرى وتسويقها عبر مؤسسات ودور نشر عربية و عالمية كبيرة تلك التي تقدم الأدباء والكتاب على نطاق عربي وعالمي واسع، يجب على أدباء وكتاب اليمن الخروج من شرنقة السلوك الفوضوي الغير خلاق وفتح علاقات كفؤة ونديه مع كتاب عرب وعالميين والإسهام معهم في صياغة المشهد الأدبي و الثقافي، ما يعزز من حضورنا ويضعنا كفاعلين حقيقيين، هذا يسمح لمنتجاتنا الإبداعية ويفتح الأفق أمام المبدع اليمني.

-حدثنا عن مدينتك حجه وعن المشهد الثقافي فيها؟

-في البداية نأخذ في الإعتبار أن محافظة حجة حرمت من مشاريع البُنى التحتية والخدمات الأساسية أهمها المدارس والجامعات، ليس فيها فروع لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ولا لنقابة الصحفيين، ليس فيها مؤسسات ومنتديات ادبيه وفنية اللهم إلا محاولات بدأت في التسعينات من قبل شعراء وكتاب لكنها لم تجد الدعم والمساندة لا من السلطات ولا يأبه التجار ورجال المال من أبناء هذه المحافظة بالمبدع، لكن هذا لا يعني أو يقلل من وجود شعراء و قاصين و روائيين وكتاب وصحفيين وفنانين إذ تضج حجة بالكثير منهم على مستوى اليمن و الوطن العربي، هذا جعل من الفاعلين الثقافيين في عزلة وبالنادر تم الالتفات إليهم من قبل مؤسسات ومنتديات ثقافية ودعوتهم لحضور مهرجانات وفعاليات شعرية وأدبية وفنية، لكن كما ترى يمكنك التعرف فجأة بمبدع من حجة هنا وهناك.

-لو اصبحت وزيرا للثقافة ماالذي سوف تقوم به؟

-سأطلق استراتيجية ثقافية ضخمة لبناء وتأهيل واكتشاف المبدع/ة اليمني في الشعر و الرواية والكتابة والفنون، استراتيجية ذات أنشطة مختلفة و بآليات و أدوات مختلفة تقتفي أثر المبدع و اكتشافه بداء من المدرسة إلى الجامعة وتحيله إلى مؤسسات ومراكز تدريب وتأهيل، ويمكن توفير الكتاب في المكتبات العامة والمدرسية والجامعات، و أنشطة ومخيمات صيفية وفعاليات ثقافية في مختلف المدن والمناطق الرئيسية. الأمر بسيط ولا يحتاج إلى أي تعقيدات، انا لي تجارب بهذا الصدد ونفذت مشاريع لاكتشاف المبدع ونفذتها في مدارس التعليم الأساسي والثانوي في محافظة حجة بوسطة جمعية المستقبل الذي تشرفت بترأسها، وكانت النتيجة صادمة بوجود الطالب والطالبة المبدعين في الخطابة والإذاعة وفي المسرح و الشعر و القصة والفن التشكيلي وفي صناعة الأشكال الهندسية.

- كلمة اخيره تريد قولها؟

-أريد أن أشكرك صديقي العزيز على برنامجك هذا الذي تحاول إعادة تقديم الأدباء والكتاب اليمنيين إلى المشهد من جديد، متمنيا لك وافر التوفيق والنجاح فأنت أحد اعلام الأدب و الكتابة في اليمن ومن الجميل الشعور بأن أحدنا مازال بخير. كما أتمنى لكل ادباء وكتاب ومبدعي وفناني ومثقفي البلد أن يكونوا بخير وان يجدوا طريقهم للنجاة من صعوبة العيش في ظل هذه الظروف اليمنية الصعبة، فهم اكثر فئة اجتماعية تعاني من قسوة الظروف. كما أتمنى لليمن و اليمنيين ان يجدوا طريقهم للخلاص والسلام و الأمن و الاستقرار والعيش الكريم.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص